السبت، 25 يناير 2025

الحوت الأبيض

قصة اسماعيل، وهو شاب يبحث عن مغامرة في البحر، فينضم إلى سفينة صيد الحيتان بيكبِيل التي يقودها الكابتن حبيب. ما يبدو كرحلة صيد عادية يتحول إلى ملاحقة ملحمية للحوت الأبيض الكبير موبي ديك، الذي فقد الكابتن حبيب قدمه في صراع سابق معه.


مترجمة للكاتب هيرمان ميلفيل

الفصل- الأول : البدايات

 نادني إسماعيل قبل بضع سنوات—لا يهم كم تحديدًا—وكنت أملك القليل من المال، ولا شيء يثير اهتمامي على اليابسة، قررت أن أبحر قليلًا وأكتشف الجزء المائي من العالم. كانت هذه طريقتي في التخلص من الاكتئاب وتنشيط دورتي الدموية. كلما شعرت بالكآبة تسيطر على وجهي، أو شعرت كما لو أن شهر نوفمبر الكئيب يملأ روحي، أو وجدت نفسي واقفًا أمام متاجر التوابيت، أو لاحقت بذهني كل جنازة تصادفني، أو حين كانت سوداويتي تشتد حتى أحتاج إلى ضبط نفسي بشدة كي لا أخرج إلى الشارع وأطيح بقبعات المارة،  كنت أعلم أنه قد حان الوقت للذهاب إلى البحر في أقرب فرصة. كان هذا هو البديل الذي اخترته بدلًا من المسدس والرصاصة. كان الفيلسوف الروماني كاتو يُلقي بنفسه على سيفه، أما أنا، فكنت ببساطة ألجأ إلى السفينة. لا يوجد ما يدعو للاستغراب في ذلك، فلو كانوا يعلمون، لوجدوا أن معظم الرجال، بدرجات متفاوتة، يحملون مشاعر مشابهة تجاه البحر. ها هي مدينة مانهاتن، محاطة بالأرصفة مثلما تحيط الشعاب المرجانية بالجزر الهندية، تحاصرها التجارة بموجها العاتي. كل الشوارع تقودك إلى الماء. 
أقصى جنوبها هو البطارية، حيث تُغسل الأرصفة بمياه البحر وتبردها النسمات التي كانت، قبل ساعات فقط، بعيدة عن اليابسة. انظر إلى الحشود المتجمعة هناك، تنظر إلى البحر في تأمل. تجوّل في المدينة بعد ظهر يوم أحد هادئ. سر من كورليرز هوك إلى كوينتيس سليب، ثم شمالًا عبر وايتهول. ماذا ترى؟ رجال يقفون كالحراس الصامتين، آلاف مؤلفة من البشر عالقون في تأملات عميقة تجاه المحيط. البعض يستند إلى الأعمدة الخشبية، والبعض يجلس عند حواف الأرصفة، وآخرون يراقبون السفن القادمة من الصين، بل إن البعض يتسلق أعلى الصواري بحثًا عن نظرة أفضل إلى البحر. ومع ذلك، هؤلاء جميعًا رجال بر، يقضون أيام الأسبوع محبوسين بين الجدران، يعملون خلف الطاولات والمكاتب. إذن، ما الذي يجذبهم إلى هنا؟ أين الحقول الخضراء التي يمكنهم الذهاب إليها؟ لكن انظر! المزيد منهم قادمون، يسيرون مباشرة إلى الماء، وكأنهم على وشك الغوص فيه. يا له من مشهد غريب! لا شيء يرضيهم سوى الوصول إلى أقصى نقطة من اليابسة، وكأن الوقوف في ظل المستودعات القريبة لا يكفي. لا، يجب أن يكونوا على أقرب مسافة ممكنة من البحر دون أن يسقطوا فيه. وهكذا يقفون هناك، صفوفًا تمتد لأميال. إنهم يأتون من كل مكان، من الأزقة الضيقة والشوارع الواسعة، من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ومع ذلك، جميعهم يتجمعون هنا. أخبرني، هل من الممكن أن تكون إبرة البوصلة المغناطيسية في السفن هي ما يجذبهم إلى هذا المكان؟ مرة أخرى، تخيل أنك في الريف، في أرض مرتفعة مليئة بالبحيرات. خذ أي طريق تريده، وستجد نفسك تنحدر إلى وادٍ صغير حيث هناك جدول ماء. هناك سحر في هذا الأمر. حتى أكثر الرجال شرودًا لو وقفت قدماه على الأرض، وسار بلا هدف، فإنه سيقوده حدسه إلى الماء، إن وُجد في ذلك المكان. وإذا وجدت نفسك يومًا ما عطشانًا في صحراء أمريكا الشاسعة، فجرّب هذه التجربة، إن كان معك أستاذ في الفلسفة! لكن هنا، هناك فنان يرغب في رسم أروع منظر طبيعي شاعري، الأكثر هدوءًا وسحرًا، في وادي ساكو. ما هو العنصر الأساسي الذي يحتاجه؟ هناك الأشجار، كل واحدة منها بجذع أجوف، كما لو أن ناسكًا يختبئ فيها يحمل صليبًا، وهناك المراعي حيث ترقد الماشية، والدخان يتصاعد ببطء من كوخ بعيد، والطريق المتعرج يشق طريقه عميقًا بين الغابات، وصولًا إلى سفوح الجبال الزرقاء. لكن، رغم كل هذا الجمال، سيظل المشهد بلا روح ما لم تكن عين الراعي مسلطة على النهر الساحر أمامه. اذهب إلى البراري في شهر يونيو، حيث تمتد الزهور البرية إلى ما لا نهاية، وستجد أن العنصر الوحيد المفقود هو الماء. فكر في شلال نياجرا، ماذا لو كان مجرد كومة من الرمال بدلًا من المياه المتدفقة؟ هل كنت ستسافر مئات الأميال لرؤيته؟ لماذا، عندما حصل الشاعر الفقير من تينيسي على حفنة من الفضة، تردد بين شراء معطف يحتاجه بشدة أو إنفاق المال في رحلة إلى شاطئ روكاواي؟ ولماذا يكون كل فتى قوي الجسم والروح، في وقت من حياته، مفتونًا بفكرة الإبحار؟ ولماذا، عندما تقوم برحلتك الأولى كمسافر، تشعر بذلك الشعور العميق والمثير عندما يخبرونك أنك أصبحت الآن خارج مرأى اليابسة؟ لماذا كان الفُرس القدامى يقدسون البحر؟ ولماذا أطلق عليه الإغريق اسم إله مستقل، أخ لجوبيتر؟ لا يمكن أن يكون كل هذا بلا معنى. بل إن المعنى العميق لهذه الأفكار يتجسد في أسطورة نرجس، الذي غرق في البحيرة لأنه لم يستطع الإمساك بالصورة التي رآها فيها. لكن، ألا نرى جميعًا هذه الصورة نفسها منعكسة في كل الأنهار والمحيطات؟ إنها صورة الحياة نفسها، الشبح الذي لا يمكن الإمساك به، وهذا هو السر كله. الآن، عندما أقول إنني أذهب إلى البحر كلما شعرت بالكآبة، فأنا لا أعني أنني أذهب كمسافر. فالمسافر يحتاج إلى مال، والمال لا قيمة له إن لم يكن لديك شيء تنفقه عليه. بالإضافة إلى ذلك، فإن المسافرين غالبًا ما يعانون من دوار البحر، ويميلون إلى المشاجرة، ويجدون صعوبة في النوم، ولا يستمتعون كثيرًا، بشكل عام. لذلك، لا أذهب إلى البحر كمسافر، ولا أذهب كقبطان أو طباخ أيضًا. لا، عندما أذهب إلى البحر، أذهب كبحّار بسيط، أقف في مقدمة السفينة، وأصعد إلى أعلى صاري الملكي. صحيح أنني أتلقى الأوامر، وأتنقل بين الحبال كجرادة في حقل في شهر مايو، وهذا قد يكون مزعجًا في البداية، خاصةً إذا كنت من عائلة عريقة، لكن سرعان ما تعتاد الأمر. ومهما كانت الأوامر التي أتلقاها، سواء كانت كنس سطح السفينة أو تنفيذ مهمات أخرى، فأنا أعلم أن الجميع يُعامل بنفس الطريقة. كل شخص في هذا العالم هو عبد بشكل أو بآخر. لذلك، لا يهمني كيف يعاملني القباطنة، لأنني أعلم أن الجميع يمرون بتجارب مماثلة، سواء ماديًا أو معنويًا. أخيرًا، أذهب إلى البحر لأنني أُدفع مقابل عملي، بينما المسافرون يدفعون المال. وهناك فرق كبير بين الدفع والتقاضي! فالإنسان يقبل المال بسعادة تفوق بكثير أي شيء آخر، رغم أننا نؤمن بأن المال هو أصل كل الشرور. لكن لماذا اخترت رحلة صيد الحيتان تحديدًا هذه المرة؟ لا أعرف بالضبط. ربما كان القدر هو من دفعني إلى ذلك. وربما كان السبب هو الحوت العظيم نفسه، هذا المخلوق الضخم الغامض الذي أثار فضولي. فأنا دائمًا مفتون بالمجهول، وأحب الإبحار في البحار المحرمة، وزيارة السواحل البعيدة. لذلك، كانت هذه الرحلة إلى صيد الحيتان موضع ترحيب بالنسبة لي، كأن أبواب العالم العجائبي قد فتحت أمامي، لتكشف لي عن أسرارها وأهوالها، وعلى رأسها ذلك الحوت العظيم الذي يلوح أمامي مثل شبح ثلجي في السماء

 =======

الفصل الثاني :حقيبة السفر

  وضعت قميصًا أو اثنين في حقيبتي القديمة، وحملتها تحت ذراعي، وانطلقت في رحلتي إلى كيب هورن والمحيط الهادئ. بعد مغادرة مدينة مانهاتن العظيمة، وصلت في الوقت المناسب إلى نيو بيدفورد. كانت ليلة سبت في شهر ديسمبر. شعرت بخيبة أمل كبيرة عندما علمت أن القارب الصغير المتجه إلى نانتوكيت قد أبحر بالفعل، ولن تتاح لي أي وسيلة للوصول إلى هناك حتى يوم الاثنين التالي. وكحال العديد من الشبان الذين يسعون لخوض مغامرات صيد الحيتان، توقّفوا عند نيو بيدفورد لينطلقوا منها في رحلاتهم. لكنني لم أكن أنوي فعل ذلك، فقد كنت مصممًا على الإبحار فقط على متن سفينة من نانتوكيت. كان هناك شيء عاصف ومثير حول تلك الجزيرة العريقة، وهو ما أثار إعجابي بشدة. صحيح أن نيو بيدفورد كانت قد احتكرت في السنوات الأخيرة تجارة صيد الحيتان، مما جعل نانتوكيت متأخرة عنها، لكنها كانت الأصل في هذا المجال، تمامًا كما كانت صور الأصلية لمدينة قرطاج. كانت نانتوكيت المكان الذي جرفت فيه الأمواج أول حوت ميت إلى شواطئ أمريكا. ومن أين غيرها انطلق أول الصيادين من السكان الأصليين، في زوارقهم الصغيرة، لمطاردة الوحش العظيم؟ ومن غيرها أبحرت تلك السفينة الصغيرة المحمّلة بجزء من حجارة الشوارع، والتي كان الغرض من استخدامها ضرب الحيتان لمعرفة مدى قربها، قبل رميها بالرماح؟ بما أنني كنت مضطرًا للبقاء ليلة ونهارًا، ثم ليلة أخرى في نيو بيدفورد قبل أن أتمكن من الإبحار إلى وجهتي، أصبح من الضروري أن أجد مكانًا للمبيت وتناول الطعام. كانت الليلة مظلمة وكئيبة، والطقس قارس البرودة وغير مريح. لم أكن أعرف أحدًا في المدينة. بحثت في جيبي بقلق، ولم أجد سوى بعض قطع الفضة القليلة. فقلت لنفسي: "يا إسماعيل، أينما ذهبت، تأكد من معرفة سعر المبيت مسبقًا، ولا تكن متطلبًا كثيرًا." مشيت بخطوات مترددة في الشوارع، ومررت بجانب نُزُل يحمل اسم "الرماح المتقاطعة"، لكنه بدا لي باهظ الثمن وصاخبًا للغاية. واصلت السير، فرأيت نافذة نُزُل سمكة السيف المشعّة باللون الأحمر، وكأنها أذابت الجليد المتراكم أمامها، في حين كانت بقية الشوارع مغلفة بطبقة سميكة من الجليد القاسي. كانت حذائي بحالة يرثى لها، متآكلًا من الخدمة القاسية، وعندما اصطدمت قدمي بالحجارة المدببة، شعرت بالألم. فكرت: "مكلف جدًا وصاخب أيضًا!"، ثم وقفت لحظة أراقب الضوء الساطع في الشارع، وأسمع صوت الكؤوس تتصادم بالداخل. لكنني قلت لنفسي: "تحرك يا إسماعيل، لا تقف أمام الباب، فحذاؤك المرقّع يسد الطريق!" واصلت السير، متّبعًا غريزتي التي دفعتني نحو الأحياء القريبة من الميناء، حيث كنت متأكدًا من العثور على نُزُل أرخص، حتى لو لم يكن الأكثر راحة. يا لها من شوارع كئيبة! مبانٍ سوداء قاتمة تصطف على الجانبين، مع ضوء شمعة هنا وهناك، كأنها تتحرك داخل قبر. في هذه الساعة المتأخرة، في نهاية الأسبوع، بدت تلك المنطقة مهجورة تمامًا. ولكن فجأة، لمحت ضوءًا خافتًا ينبعث من مبنى منخفض وعريض، وكان بابه مفتوحًا وكأنه يرحب بالزوار. بدا المكان مهملًا، وكأنه مخصص لاستخدام العامة، فدخلت. ولكن أول ما فعلته هو أنني تعثرت بصندوق رماد عند المدخل! كدت أختنق من الغبار المتطاير، وقلت لنفسي ساخرًا: "هل هذه بقايا رماد مدينة سدوم المدمرة؟" ثم تابعت السير. ما إن فتحت الباب الداخلي حتى وجدت نفسي أمام مشهد غريب. كان المكان يعج بالوجوه السوداء التي استدارت نحوي في صفوف منظمة، وفي الخلف، كان هناك رجل أسود الملامح يقف على منبر، يضرب بيده على كتاب، بينما كان صوته يصدح بنصوص تتحدث عن الظلام والعذاب والبكاء وصرير الأسنان. أدركت حينها أنني دخلت كنيسة للسود، فقلت لنفسي: "يا إسماعيل، يبدو أن هذا ليس المكان المناسب للمبيت!"، ثم خرجت بهدوء، متراجعًا إلى الشارع. واصلت السير حتى وجدت ضوءًا باهتًا بالقرب من الأرصفة، وسمعت صريرًا يملأ الجو. رفعت رأسي لأرى لافتة تتأرجح فوق الباب، تحمل رسمًا باهتًا لعمود من رذاذ البحر، وأسفله كلمات بالكاد تُقرأ: "نُزُل سباوتر - بيتر كوفين" كوفين؟! سباوتر؟! يبدو اسمًا مشؤومًا بعض الشيء! لكنني سمعت أن "كوفين" اسم شائع في نانتوكيت، وربما يكون هذا "بيتر" مجرد مهاجر من هناك. كان الضوء خافتًا، والمكان بدا هادئًا، والمنزل الخشبي الصغير بدا كأنه قد تم نقله من منطقة تعرضت لحريق. حتى اللافتة المتأرجحة كانت تصدر صريرًا بائسًا، مما جعلني أعتقد أن هذا هو المكان المثالي للحصول على غرفة رخيصة، وربما كوب ساخن من قهوة البازلاء. كان المكان غريبًا، منزلًا قديمًا ذو سقف مائل، كما لو أنه أصيب بالشلل من أحد جوانبه، مائلًا بحزن شديد. كان يقع عند زاوية حادة حيث تعصف به الرياح العاتية، أقوى حتى من الرياح التي عذبت سفينة بولس الرسول في العاصفة. ومع ذلك، فإن تلك الرياح، رغم قسوتها، قد تبدو لطيفة لأي شخص جالس داخل المنزل، يستدفئ بجانب الموقد. تذكرت مقولة لكاتب قديم كنت أمتلك نسخة من أعماله النادرة: "إن تقييمك لهذه الرياح العاتية، يُحدث فرقًا كبيرًا حسب موقعك. فإن كنت تراقبها من نافذة زجاجية دافئة، يكون الأمر مختلفًا تمامًا عن مشاهدتها من نافذة مفتوحة حيث البرد يلسعك من كل جانب." فكرت: "صحيح تمامًا، فالعين نافذة الروح، والجسد هو منزلها. ولكن للأسف، لم يغلقوا النوافذ جيدًا، وتركت الفجوات مفتوحة!" لكن فات الأوان لإجراء أي تحسينات على هذا المنزل المتهالك، تمامًا كما أن الكون قد اكتمل بالفعل منذ زمن بعيد. نظرت إلى الرجل الفقير المتجمد هناك، يرتجف وهو مستلقٍ على الرصيف. حاولت أن أتخيل كيف سيشعر لو كان في مكان أكثر دفئًا، مثل سومطرة، بل حتى في قلب الجحيم نفسه، بدلًا من أن يتجمد في هذا البرد القارس. لكنني هززت رأسي، قائلًا لنفسي: "كفى فلسفة، نحن ذاهبون لصيد الحيتان، وهناك المزيد من المآسي في انتظارنا!" فركت قدمي المتجمدتين من البرد، ودخلت إلى نُزُل سباوتر، متشوقًا لمعرفة ما ينتظرني في الداخل.
 =======

الفصل الثالث:نُزُل سباوتر

 الفصل- الثالث: نُزُل سباوتر .  
عند دخولي إلى نُزُل سباوتر، وجدت نفسي في ممر واسع ومنخفض، مبني على الطراز القديم، بجدران خشبية تشبه حواجز السفن المهجورة. على أحد الجدران، كانت هناك لوحة زيتية ضخمة، مغطاة بالسواد والتلف لدرجة أنك لا تستطيع تمييز أي شيء فيها بسهولة. فقط من خلال المراقبة الدقيقة والزيارات المتكررة، والاستفسار من الجيران، يمكنك التوصل إلى أي فهم لمغزاها. في البداية، بدت وكأنها فوضى عارمة من الظلال والأشكال، حتى أنك قد تظن أن فنانًا شابًا طموحًا من زمن نيو إنجلاند حاول تصوير الفوضى المسحورة. لكن مع التمعن العميق والتأمل المتكرر، ومع فتح النافذة الخلفية للممر، تبدأ في التفكير في أن هذا التصور، رغم غرابته، قد يكون له أساس منطقي. لكن ما حيّرني أكثر هو الكتلة السوداء الطويلة التي بدت وكأنها تحوم في منتصف اللوحة، فوق ثلاثة خطوط زرقاء باهتة، وكأنها تطفو وسط ضباب كثيف. بدت الصورة وكأنها قادرة على دفع شخص عصبي إلى الجنون. ومع ذلك، كان هناك شيء مهيب وغير مفهوم فيها، جذبني إليها كما لو أنني أقسم على كشف سرها. في لحظة من الإلهام، ظننت أنني عرفت المغزى: ربما هي تمثل البحر الأسود في عاصفة منتصف الليل، أو ربما هي صراع بدائي بين العناصر الأربعة، أو حتى تفكك نهر الزمن المتجمد. لكن في النهاية، استحوذت تلك الكتلة الغامضة في منتصف اللوحة على تفكيري. وعند التمعن أكثر، أدركت أنها تشبه حوتًا عملاقًا، ربما الحوت الأبيض نفسه. كان يبدو أن الفنان قصد تصوير مشهد من المحيط، حيث تظهر سفينة كيب هورنر وهي تواجه إعصارًا هائلًا، بينما تطفو السفينة شبه الغارقة في الماء، ولم يتبقَ منها سوى ثلاثة صواري مدمرة. وفي منتصف المشهد، كان هناك حوت غاضب، يقفز فوق السفينة، في محاولة لانغراز نفسه في صواريها المكسورة. على الجدار المقابل، كانت هناك مجموعة مخيفة من الهراوات والرماح الغريبة. بعضها كان مليئًا بأسنان حادة تشبه المناشير العاجية، وبعضها مزين بخصلات من شعر بشري، وأحدها كان على شكل منجل ضخم، وكأنه أداة لحصاد الموت. عندما نظرت إليها، تساءلت عن أي وحش بشري استخدم هذه الأسلحة المرعبة في المعارك. إلى جانب ذلك، كانت هناك رماح قديمة لصيد الحيتان، بعضها صدئ ومكسور، لكن لكل منها قصة. أحد الرماح استخدمه صياد يدعى ناثان سواين، والذي قتل به خمسة عشر حوتًا خلال يوم واحد قبل خمسين عامًا. وكان هناك رمح آخر، يشبه المفتاح الحلزوني الآن، قد أُلقي في بحار جافا، لكنه انتهى في ظهر حوت، ليتم العثور عليه لاحقًا مغروسًا في سنام حوت قبالة سواحل كيب بلانكو. بعد عبور هذا الممر المعتم، وصلت إلى الغرفة العامة، التي كانت أكثر ظلمة وكآبة. كانت هناك عوارض خشبية منخفضة، وأرضية خشبية قديمة تبدو وكأنها سطح سفينة قديمة. وعندما كان النُزُل يهتز مع العاصفة في الخارج، كان يبدو وكأنه سفينة متهالكة على وشك الغرق. على أحد الجوانب، كان هناك بار خشبي بدائي الشكل، صُمم على هيئة رأس حوت ضخم. وكانت عظمة فك الحوت العملاقة مثبتة هناك، كبيرة لدرجة أنه يمكن لمدرب خيول أن يقود عربة تحتها. خلف البار، كان هناك رجل عجوز صغير الحجم يُلقب بـ "يونان"، يبيع البحارة مشروبًا قاتلًا مقابل المال، وكأنهم يشربون هلاكهم ببطء. عند دخولي، وجدت مجموعة من البحارة الشباب متجمعين حول طاولة، يتفحصون بعض المنحوتات العاجية تحت ضوء خافت. طلبت من صاحب النُزُل غرفة للمبيت، لكنه أجابني بأن كل الأسرّة مشغولة. ثم قال بعد تفكير: "لكن انتظر، ألا تمانع في مشاركة سرير مع صياد حيتان؟ أظنك ستذهب لصيد الحيتان، لذا من الأفضل أن تعتاد على ذلك من الآن!" أخبرته أنني لا أحب مشاركة السرير مع أي شخص، ولكن إذا لم يكن هناك خيار آخر، ولم يكن الصياد غريب الأطوار أو مخيفًا، فسأقبل بالنوم إلى جانبه. "حسنًا، كل شيء على ما يرام، انتظر هنا، العشاء سيكون جاهزًا قريبًا." جلست على مقعد خشبي قديم محفور عليه نقوش، فيما كان بحّار آخر منشغلًا بنحت سفينة شراعية بسكينه. بعد قليل، استدعانا صاحب النُزُل إلى العشاء، حيث وجدنا طاولة باردة كأننا في أيسلندا، دون أي نار للتدفئة. كان الطعام وفيرًا، لكنه بسيط—لحم، بطاطا، وزلابية مطهية بالبخار. كان هناك شاب يرتدي معطفًا أخضر، يأكل الزلابية بنهم شديد. "يا بني، ستصاب بكابوس الليلة!" قال صاحب النُزُل وهو يضحك. سألت بهدوء: "هذا ليس صياد الحيتان، صحيح؟" ضحك صاحب النُزُل قائلًا: "لا، الصياد رجل داكن البشرة، ولا يأكل سوى شرائح اللحم، ويفضلها نيئة." "ماذا؟! وأين هو الآن؟" "سيصل قريبًا." شعرت بالقلق، وبدأت أشعر أن مشاركة السرير مع هذا الرجل قد لا تكون فكرة جيدة. لكن بما أن الوقت كان متأخرًا، قررت أن أنتظره لأراه أولًا قبل أن أقرر. عند اقتراب منتصف الليل، بدأت أشعر بالتوتر أكثر فأكثر. عندما سألت صاحب النُزُل عنه، قال لي وهو يضحك: "إنه يحاول بيع رأسه!" "بيع رأسه؟! ماذا تقصد؟" أوضح لي أن الصياد كان قد اشترى رؤوسًا محنطة من جزر نيوزيلندا، وكان يحاول بيعها في المدينة قبل حلول يوم الأحد. شعرت بالرعب من فكرة مشاركة السرير مع رجل يبيع رؤوس البشر المحنطة! لكن صاحب النُزُل طمأنني قائلًا: "إنه رجل طيب ويدفع إيجاره بانتظام!" في النهاية، عندما لم يعد لديّ أي خيار آخر، صعدت إلى الغرفة المخصصة لي، والتي كانت باردة كالجليد، لكنها تحتوي على سرير كبير جدًا. عندما بدأت في التمدد على السرير، سمعت خطوات ثقيلة تقترب، ورأيت ضوءًا يتسلل من أسفل الباب. لقد وصل صياد الحيتان! دخل الغرفة دون أن يلاحظني، حاملًا رأسًا محنطًا في يده، وبدأ بفك حقيبته. عند رؤيته لأول مرة، شعرت بالرعب المطلق—كان وجهه داكنًا تمامًا، مغطى بوشوم غريبة، وكأنه قد نجا من معركة دموية. وبينما كنت أرتجف، رأيته يسحب فأسًا صغيرة، ووضعها بالقرب من سريره، ثم قذف نفسه إلى السرير بجانبي. لم أستطع منع نفسي من الصراخ! صرخ الصياد في وجهي بلغة غير مفهومة، ولوّح بالفأس في الهواء، مما جعل الرماد الساخن يتطاير في الغرفة. لحسن الحظ، اقتحم صاحب النُزُل الغرفة وهو يضحك: "لا تخف! إنه رجل طيب!" وبعد نقاش قصير، وافقت أخيرًا على مشاركة السرير معه، قائلًا لنفسي: "النوم بجانب رجل همجي عاقل، أفضل من النوم بجانب رجل متحضر مخمور!"
 =======

الفصل الرابع:الغطاء

  عندما استيقظت في الصباح الباكر، مع أول ضوء للفجر، وجدت ذراع كويكويغ ملفوفة حولي بطريقة محبة وعاطفية لدرجة أنك قد تظن أنني كنت زوجته! كان الغطاء الذي يغطي السرير مصنوعًا من قطع قماش مرقعة، مليئة بمربعات ومثلثات صغيرة ذات ألوان مختلفة، أما ذراعه، فكانت مغطاة بالكامل بوشوم معقدة تشبه متاهة كريتية لا نهائية، لم يكن فيها جزءان يحملان نفس اللون تمامًا. ربما كان السبب في ذلك أن ذراعه كانت تتعرض للشمس والظل بشكل غير متساوٍ أثناء إبحاره في البحر، مع تقلبات أكمامه الطويلة والقصيرة. في البداية، كدت لا أميز بين وشم ذراعه وأنماط القماش المرقع، حيث كانا متداخلين بطريقة غريبة. لم أدرك أن كويكويغ كان يحتضنني إلا عندما شعرت بوزن وضغط ذراعه عليّ. شعرت بإحساس غريب للغاية. اسمحوا لي أن أشرح ذلك... عندما كنت طفلًا، أتذكر حادثة مماثلة، رغم أنني لست متأكدًا مما إذا كانت حلمًا أم واقعًا. أتذكر أنني كنت أتسلق المدخنة، محاولًا تقليد صبي تنظيف المداخن الذي رأيته قبل بضعة أيام. ولكن زوجة أبي—التي كانت دائمًا ما تعاقبني لأي سبب كان—سحبتني من قدمي، ووضعتني في السرير كعقوبة، رغم أن الساعة كانت الثانية بعد الظهر في أطول يوم في السنة! شعرت بالبؤس التام، لكن لم يكن لدي خيار سوى الاستلقاء هناك، وأنا أفكر بحزن أن عليّ البقاء مستلقيًا ستة عشر ساعة كاملة قبل أن أتمكن من النهوض مجددًا. الشمس كانت لا تزال مشرقة، وأصوات الناس في الشارع كانت صاخبة، مما جعلني أشعر بأسوأ حال. بعد مرور بعض الوقت، لم أعد أتحمل، فقمت وذهبت إلى زوجة أبي، راجيتها أن تعاقبني بأي طريقة أخرى—حتى لو كان ذلك بضربي بالحذاء—لكن فقط لا تجبرني على الاستلقاء طوال هذا الوقت! لكنها كانت أمًّا صارمة للغاية، فأجبرتني على العودة إلى السرير مجددًا. بعد عدة ساعات من الاستلقاء، غرقت في حلم مخيف. عندما استيقظت ببطء، وجدت أن الغرفة، التي كانت مشرقة عند نومي، أصبحت مظلمة تمامًا. فجأة، شعرت بيد خارقة للطبيعة تمسك بيدي! كان شعورًا مرعبًا للغاية، ولم أكن أجرؤ على تحريك أصابعي ولو بوصة واحدة، خوفًا من أن يكسر هذا الكيان الغامض السحر المرعب الذي كان يمسكني به. حتى يومنا هذا، لا أستطيع تفسير ما حدث لي في تلك الليلة، لكن ما شعرت به عندما استيقظت لأجد ذراع كويكويغ حولي، كان مشابهًا جدًا لشعوري بتلك اليد الغامضة في طفولتي—باستثناء أنني هذه المرة لم أكن خائفًا تمامًا، بل كنت أشعر بالسخرية من الموقف أكثر من أي شيء آخر! حاولت تحريك ذراعه بعيدًا عني، لكن دون جدوى. حتى أثناء نومه، كان يحتضنني بقوة، وكأنه لن يتركني إلا عند الموت. ناديته بصوت عالٍ: "كويكويغ!" لكن لم يكن هناك رد سوى شخيره العميق. حاولت التملص، لكن فجأة شعرت بخدش بسيط. عندما نظرت بجانبي، رأيت فأسه الحربية الصغيرة مستلقية بجانبه وكأنها طفل نائم! يا إلهي! ما الذي أفعله هنا، مستلقيًا بجانب همجي يحمل فأسًا في غرفة غريبة؟! صرخت: "كويكويغ! بحق السماء، استيقظ!" وبعد محاولات عديدة، بدأ يتململ قليلًا، ثم فجأة هزّ جسده بالكامل مثل كلب نيوفاوندلاند يخرج من الماء، وجلس منتصبًا في السرير وهو يفرك عينيه، وكأنه يحاول تذكر كيف انتهى بي المطاف هناك. نظرت إليه في هدوء، مراقبًا تصرفاته، والفضول يملأني حول هذا الرجل الغريب. بعد أن استعاد وعيه بالكامل، بدا وكأنه تقبل فكرة وجودي إلى جانبه، فنهض من السرير، وأشار إليّ بيده بأنه سيقوم بارتداء ملابسه أولًا ثم يتركني أستعد لوحدي. فكرت في نفسي: "كم هو رجل مهذب!" على الرغم من أنه كان همجيًا، إلا أنه كان يمتلك إحساسًا بالفطرة باللياقة والاحترام، على عكس كثير من "المتحضرين". ربما كنت وقحًا أكثر منه، فقد كنت أراقبه بعينيّ وهو يستعد، متجاهلًا أي ذوق أو احترام للخصوصية. كانت طريقته في ارتداء ملابسه غريبة جدًا. أول شيء فعله كان وضع قبعته، رغم أنه لم يكن يرتدي سرواله بعد! ثم بدأ يبحث عن حذائه. ولسبب ما، قرر أن يزحف تحت السرير لارتدائه، وعندما خرج، كانت قبعته مائلة بشدة على رأسه، وكأنها تعرضت للدهس! بعد أن انتهى من ارتداء ملابسه، لاحظت أنه لم يغسل وجهه، بل اكتفى بغسل صدره وذراعيه ويديه فقط. ثم تناول قطعة من الصابون، وبدأ بتغطية وجهه بالرغوة. كنت أنتظر أن أرى من أين سيخرج شفرته للحلاقة، لكنني فوجئت عندما سحب رمحه الحربي، ونزع مقبضه الخشبي، ثم بدأ باستخدامه كآلة حلاقة! "يا إلهي! هذا الرجل يستخدم رمحه للحلاقة!" لكن بعد أن فكرت في الأمر، أدركت أن رؤوس الرماح مصنوعة من فولاذ عالي الجودة، وغالبًا ما تكون حوافها أكثر حدة من أي شفرة حلاقة تقليدية. بعد أن أنهى استعداده، خرج من الغرفة بثقة، مرتديًا معطفه البحري، ويحمل رمحه كأنه عصا قائد عسكري. نظرت إلى نفسي للحظة، ثم تنهدت، مستعدًا ليومي الجديد... في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو صيد الحيتان، برفقة هذا الرجل الغريب، الذي لن أنساه أبدًا! 
 =======

الفصل الخامس:الإفطار

  سرعان ما لحقت بـ كويكويغ، ونزلت إلى غرفة البار، حيث استقبلني صاحب النُزُل بابتسامة عريضة. لم يكن لدي أي ضغينة تجاهه، رغم أنه استمتع كثيرًا بممازحتي بشأن رفيق السرير الغريب الذي فرضه عليّ. لكنني كنت أؤمن بأن الضحك شيء نادر وثمين، ويجب على كل شخص أن يكون مستعدًا ليكون مصدرًا للنكات بين الحين والآخر. فالرجل الذي يحمل في شخصيته طابعًا هزليًا، هو في الغالب أكثر عمقًا مما يبدو عليه. كانت غرفة البار تعج بالبحارة، معظمهم من أولئك الذين وصلوا في الليلة السابقة ولم أتمكن من رؤيتهم جيدًا بعد. كانوا جميعًا تقريبًا من رجال البحر—ضباط رئيسيون، ضباط ثانويون، صانعو السفن، حدّادون بحريون، رماة الرماح، وحراس السفن. كانوا رجالًا ضخمين، بأجساد بنية قوية، ولحى كثيفة، ووجوه لم تحلق منذ فترة طويلة. كانوا جميعًا يرتدون معاطف بحرية قصيرة، وكأنها ملابسهم الصباحية المعتادة. كان من السهل معرفة المدة التي قضوها على اليابسة. ذلك الشاب هناك، خدوده توهج بلون بني ذهبي، مثل كمثرى ناضجة تحت الشمس، مما يدل على أنه لم يمضِ أكثر من ثلاثة أيام على عودته من رحلته في الهند. الرجل الذي بجانبه بدا أفتح قليلًا، وكأن بشرته صُنعت من خشب الساتان. أما الثالث، فقد احتفظ ببعض السُّمرة الاستوائية، لكنها بدت باهتة، مما يشير إلى أنه قضى عدة أسابيع على الشاطئ. ولكن لا أحد منهم كان يمتلك وجهًا مثل وجه كويكويغ، الذي كانت بشرته مُخططة بعدة ألوان متناقضة، تمامًا مثل منحدرات جبال الأنديز الغربية، حيث تتغير المناخات من منطقة إلى أخرى. "الطعام جاهز!" صرخ صاحب النُزُل وهو يفتح الباب، فدخلنا جميعًا إلى قاعة الإفطار. يُقال إن الرجل الذي يرى العالم يصبح أكثر راحة وثقة بالنفس في أي مجلس. ولكن هذا ليس صحيحًا دائمًا، فحتى الرحالة العظماء مثل ليدارد ومنغو بارك، رغم تجوالهم عبر القارات، كانوا يفتقرون إلى الثقة عند دخولهم صالونًا أنيقًا. ولكن لسبب ما، كنت أتوقع أن أسمع قصصًا بحرية رائعة أثناء الإفطار. إلا أنني فوجئت بصمت مطبق! كان المشهد غريبًا للغاية: هؤلاء الرجال، الذين قاتلوا الحيتان العملاقة في المحيطات، والذين اقتحموا أعماق البحار بلا خوف، جلسوا حول طاولة الإفطار وكأنهم مجموعة من الأغنام الخجولة، ينظرون إلى بعضهم البعض بتردد، كما لو أنهم لم يسبق لهم مغادرة قراهم في جبال فيرمونت الخضراء! رجال بحر شرسون في مواجهة الحيتان... ولكنهم خجولون في غرفة الطعام! يا لها من مفارقة غريبة! أما كويكويغ، فقد جلس عند رأس الطاولة بكل ثقة وهدوء، كما لو كان جالسًا في منزله. لكن طريقته في تناول الطعام كانت مقلقة بعض الشيء! أحضر رمحه معه إلى الإفطار، لم يستخدم الشوكة أو السكين، بل استخدم رمحه مباشرةً لسحب شرائح اللحم إلى طبقه، معرضًا رؤوس الجالسين للخطر مع كل حركة! لكن رغم كل هذا، لم يكن هناك شيء في تصرفاته يعكس الهمجية. على العكس، كان يفعل كل شيء ببرود واتزان، وهذا ما جعل تصرفاته تبدو، بطريقة ما، وكأنها لباقة خاصة به. لم يكن كويكويغ يهتم بالقهوة أو الخبز الساخن. كان يركز بالكامل على اللحم المشوي، وكان يفضل أن يكون نيئًا تقريبًا! وبعد أن أنهى طعامه، توجه إلى الغرفة العامة، أشعل غليونه، وجلس بهدوء يدخن، بينما كان يعتمر قبعته التي لم يخلعها أبدًا. أما أنا، فقد خرجت إلى الشارع، مستعدًا لاستكشاف المزيد مما تخبئه هذه البلدة قبل رحلتي البحرية القادمة...
 =======

الفصل السادس:الشارع

 الفصل- السادس: الشارع . 
عندما رأيت كويكويغ لأول مرة يتجول وسط مجتمع متحضر، كنت مذهولًا من مظهره الغريب وسط هؤلاء الناس المهذبين. لكن سرعان ما تلاشى هذا الذهول عندما خرجت للمرة الأولى في وضح النهار للتجول في شوارع نيو بيدفورد. في أي ميناء بحري كبير، خاصةً بالقرب من الأرصفة، ستجد أغرب الشخصيات القادمة من بقاع العالم البعيدة. حتى في شوارع برودواي وتشستنَت، يمكنك أن تجد بحارة البحر الأبيض المتوسط يدفعون أنفسهم وسط الحشود، مما يرعب السيدات المتأنقات. في ريجنت ستريت بلندن، يمكن أن تصادف بحارة اللاسكار والمالاي، وفي بومباي، كثيرًا ما يتسبب البحارة الأمريكيون في إثارة دهشة السكان المحليين. لكن نيو بيدفورد تتفوق على كل ذلك! في ووتر ستريت ووابينج، ترى فقط البحارة التقليديين، لكن في نيو بيدفورد، يمكنك أن تجد آكلي لحوم البشر الحقيقيين يقفون عند نواصي الشوارع، يتحدثون بشكل طبيعي مع الناس! كان بعضهم لا يزال يحمل بقايا اللحم البشري على عظامه! مشهد كهذا يمكنه إدهاش أي غريب! لكن لم يكن هؤلاء الغرباء وحدهم من لفتوا انتباهي. نيو بيدفورد كانت أيضًا تعج بالشباب القادمين من جبال فيرمونت ونيو هامبشاير، يبحثون عن الثراء والمجد في عالم صيد الحيتان. كانوا رجالًا أقوياء البنية، بعضهم كان قد قضى حياته في قطع الأشجار، والآن قرروا استبدال الفأس برمح لصيد الحيتان. لكن كان من السهل تمييز القادمين الجدد، حيث كانوا لا يزالون يرتدون ملابس غريبة لا تناسب حياة البحر: أحدهم كان يرتدي قبعة من الفرو، ومعطفًا طويل الذيل، مربوطًا بحزام بحري وسكين مشدود عند خصره. آخر كان يرتدي معطفًا مصنوعًا من قماش البومبازين، مع قبعة واسعة لحماية رأسه من الأمطار. كانوا يبدون كمجموعة من القرويين الحمقى الذين قرروا فجأة أن يصبحوا بحارة محترفين! لكن لا تعتقد أن نيو بيدفورد كانت مجرد مدينة مليئة بالبحارة وصيادي الحيتان والمتوحشين. على العكس، كانت مدينة مزدهرة وفريدة من نوعها! لولا صائدو الحيتان، لربما كانت هذه المنطقة مهجورة مثل شواطئ لابرادور الباردة. لا تزال بعض أجزاء المناطق الخلفية تبدو قاحلة ومقفرة، لكن المدينة نفسها كانت واحدة من أغلى الأماكن للعيش في نيو إنجلاند. لم تكن مدينة اللبن والعسل كما في كنعان، ولم تكن الشوارع مغطاة بالبيض الطازج في الربيع، لكنها كانت موطنًا لبعض منازل النبلاء الأكثر فخامة وحدائق غنية بالزهور. لكن كيف نمت هذه الثروة وسط هذه الأرض القاحلة؟ الإجابة تكمن في المحيط! إذا نظرت إلى القصور الفاخرة المزينة برماح الحيتان المعدنية، ستفهم السر على الفور. نعم، هذه المنازل والحدائق البهيجة لم تأتِ من اليابسة، بل جاءت من أعماق المحيط! جميعها تم اصطيادها وسحبها إلى اليابسة بواسطة صيادي الحيتان المغامرين الذين جلبوا ثرواتهم من المحيط الأطلسي والهادئ والهندي. في نيو بيدفورد، لم يكن الآباء يقدمون الذهب والمجوهرات كمهر لبناتهم—بل كانوا يعطونهم حيتانًا بأكملها كهدية زواج! بل إن بعض الفتيات كن يحصلن على بضعة دلافين كجزء من جهازهن! وإذا كنت ترغب في حضور حفل زفاف فخم، فعليك زيارة نيو بيدفورد، حيث يقال إن الناس هناك يمتلكون خزانات من زيت الحيتان في كل منزل، ويحرقون الشموع المصنوعة من دهن الحيتان طوال الليل دون قلق! أما في الصيف، فكانت المدينة تبدو كالجنة. كانت الشوارع مليئة بأشجار القيقب الطويلة، التي تتألق بألوان خضراء وذهبية. وفي أغسطس، كانت أشجار الكستناء البرية تزين الهواء بأزهارها المتجمعة على شكل شمعدانات ضخمة. يا له من فن مدهش! في العديد من مناطق نيو بيدفورد، تمكن البشر من تحويل الصخور القاحلة إلى حدائق زهور خلابة، وكأنهم أعادوا تشكيل الأرض بلمسة سحرية. أما نساء نيو بيدفورد، فكنّ يشبهن ورود مدينتهن! لكن الفرق أن الورود تتفتح فقط في الصيف، بينما كانت خدود هؤلاء النساء تبقى نضرة وموردة طوال العام، مثل شمس لا تغيب! لم يكن هناك مكان آخر يمكن أن تجد فيه مثل هذا الجمال الدائم، باستثناء مدينة سالم، حيث كان البحارة يقولون إن رائحة عطر الفتيات قوية لدرجة أنهم يستطيعون شمّها وهم لا يزالون على بعد أميال في البحر! وكأنهم يقتربون من جزر التوابل العطرية في المحيط الهندي، وليس من شواطئ البيوريتانيين الصارمة! 
 =======

الفصل السابع: الكنيسة .
  في نيو بيدفورد، يوجد كنيسة صائدي الحيتان، حيث نادرًا ما تجد صيادًا متجهًا إلى المحيط الهندي أو الهادئ دون أن يمر بها يوم الأحد. لم أكن استثناءً من ذلك. بعد عودتي من جولتي الصباحية الأولى، قررت التوجه إلى الكنيسة. تحول الطقس فجأة من شمس صافية إلى عاصفة من المطر والثلج. فلففت معطفي المصنوع من قماش "جلد الدب" حولي، وشققت طريقي بصعوبة وسط الرياح العاتية حتى دخلت الكنيسة. في الداخل، وجدت مجموعة صغيرة من المصلين: بحارة، وزوجاتهم، وأراملهم. كان الجو هادئًا وكئيبًا، لا يُسمع فيه سوى صرخات العاصفة في الخارج. كان كل فرد جالسًا بعيدًا عن الآخر، وكأن كل شخص يغرق في حزنه المنعزل. لم يكن القس قد وصل بعد، فكان الجميع جالسين، محدقين في الألواح الرخامية السوداء المثبتة على جدران الكنيسة، والتي كانت تحتوي على أسماء رجال البحر المفقودين. ثلاثة من هذه الألواح كتب عليها التالي: 🔹 مقدس لذكرى جون تالبوت، الذي سقط في البحر وعمره ثمانية عشر عامًا، بالقرب من جزيرة الخراب قبالة باتاغونيا، في الأول من نوفمبر عام 1836. تم وضع هذا اللوح من قبل أخته. 🔹 مقدس لذكرى روبرت لونغ، ويليس إليري، ناثان كولمان، والتر كاني، سيث ماسي، وصامويل غليغ، الذين كانوا ضمن طاقم قارب النجاة لسفينة إليزا، والذين سُحبوا إلى البحر بواسطة حوت، في المحيط الهادئ، في 31 ديسمبر 1839. تم وضع هذا اللوح من قبل زملائهم الناجين. 🔹 مقدس لذكرى القبطان الراحل إزكييل هاردي، الذي قُتل في مقدمة قاربه بواسطة حوت العنبر، قبالة سواحل اليابان، في 3 أغسطس 1833. تم وضع هذا اللوح من قبل أرملته. خلعت قبعتي المغطاة بالجليد، وجلست بالقرب من الباب، محاولًا استيعاب رهبة الموقف. عندما استدرت، تفاجأت برؤية كويكويغ يجلس بجانبي. كان يبدو متأثرًا بالجو العام، وعلى وجهه نظرة من الدهشة والتساؤل، وكأنه لم يصدق ما يراه. كان هو الوحيد الذي لاحظ دخولي، ربما لأنه لم يكن قادرًا على قراءة النقوش المنحوتة على الجدران، والتي جذبت انتباه الجميع. لكنني كنت أتساءل... هل كان بين الحضور أي أقارب للبحارة المفقودين؟ كانت بعض النساء الحاضرات يرتدين ملابس الحداد، ولكن كانت هناك وجوه أخرى تحمل أحزانًا غير مرئية. بدا واضحًا أن هذه الألواح أعادت إحياء جراح لا تلتئم، حيث كان كل اسم محفور عليها بمثابة صرخة ألم لا تُسمع. يا من دفنتم أحبائكم تحت العشب الأخضر، حيث يمكنكم الوقوف فوق قبورهم والقول: "هنا يرقد من أحببت"، أنتم لا تعرفون معنى الحزن الذي يسكن قلوب هؤلاء! تلك الألواح السوداء لم تكن تغطي أي رفات، بل كانت مجرد رموز لرجال لم يعودوا أبدًا، ولم يُعرف لهم قبر. لم يكن هناك إيمان يعيدهم، ولا رجاء في قيامتهم. كان يمكن لهذه الألواح أن توضع في كهف معبد إليفانتا، ولن تكون أقل برودة مما هي عليه هنا. أفكار غريبة راودتني وأنا أقرأ تلك الأسماء... لماذا نقول عن الموتى إنهم "يرقدون بسلام"، بينما قلوبنا ترفض أن تهدأ؟ لماذا نخاف حتى من مجرد صوت يُسمع في قبر؟ لماذا نحاول إسكات ذكرى من رحلوا؟ لكنني أدركت أن الإيمان، مثل ابن آوى، يتغذى بين القبور. فحتى من وسط هذه الشكوك القاتلة، يستمد الأمل قوته. بينما كنت جالسًا هناك، كنت أفكر... "إسماعيل، هذا قد يكون مصيرك يومًا ما." لكن بطريقة ما، شعرت أنني استعدت روحي المرحة. يا له من دافع رائع للإبحار! يا له من احتمال عظيم للترقية! فقط تخيل... لحظة واحدة، وقارب محطم، وسأصبح خالدًا إلى الأبد! نعم، صيد الحيتان هو تجارة الموت! إنه قذف سريع لرجل نحو الأبدية دون إنذار. ولكن، ما أهمية ذلك؟ ربما أخطأنا فهم الحياة والموت. ربما، ما نسميه "حياتي" الآن، هو مجرد ظل... ربما روحي هي جوهري الحقيقي. ربما جسدي هذا ليس سوى بقايا رديئة من كياني الأعظم. خذوا جسدي إن شئتم، لكنه لن يكون أنا! لهذا، هيا بنا إلى نانتوكيت! وليدعني البحر، فحتى الإله زيوس نفسه لا يستطيع تحطيم روحي! 

 =======

 الفصل الثامن: المنبر. 
 لم أكن جالسًا لفترة طويلة حتى دخل رجل مسن وقور ذو هيبة قوية. وبمجرد أن انفتح الباب المضرب بالعاصفة لدخوله، التفتت أعين جميع الحاضرين نحوه، في نظرة احترامية تؤكد أن هذا الرجل كان القس المشهور الأب مابل، الذي كان محبوبًا للغاية بين صيادي الحيتان. كان في شبابه بحارًا ورامي حربة، لكنه كرّس حياته لاحقًا للكهنوت. وعند هذه اللحظة التي أكتب عنها، كان في شتاء صلب من عمره—تلك الشيخوخة القوية التي تبدو وكأنها تزدهر من جديد كشباب ثانٍ. فبين تجاعيده العميقة، كان هناك وميض لطيف من نضارة متجددة، مثل العشب الأخضر الذي ينبت تحت ثلوج فبراير. عند دخوله، لاحظت أنه لم يكن يحمل مظلة، ولم يكن قد وصل بعربة، حيث كان قبعته القماشية تقطر بالمطر الذائب، ومعطفه الثقيل المبلل بالمياه يبدو وكأنه يسحبه إلى الأرض. لكنه بدأ في خلع قبعته ومعطفه الثقيل وحذائه المطاطي واحدًا تلو الآخر، وعلقهم في زاوية قريبة، ثم توجه نحو المنبر بهدوء. منبر البحر كان المنبر مرتفعًا للغاية، وكما هو الحال مع معظم المنابر القديمة، فإن وجود سلم تقليدي للوصول إليه كان سيشغل مساحة كبيرة من الكنيسة. لذلك، بناءً على اقتراح الأب مابل، تم تصميم المنبر بدون سلالم، بل سُلّم عمودي شبيه بتلك التي تُستخدم للصعود على متن السفن من القوارب الصغيرة. قامت زوجة أحد قادة صائدي الحيتان بالتبرع بحبال سميكة من الصوف الأحمر لهذا السلم، مما جعله يبدو أنيقًا ومتناسقًا مع طراز الكنيسة البحرية. توقف الأب مابل للحظة عند أسفل السلم، ممسكًا بكلتا يديه بالمقابض المزخرفة للحبال، ثم رفع نظره إلى أعلى، وبعدها بدأ في الصعود بمهارة البحارة، مستخدمًا يديه في التسلق كما لو كان يصعد إلى قمة سارية سفينة. "تحصين النفس" كانت أعمدة هذا السلم من الحبال المغطاة بالقماش، في حين كانت درجاته مصنوعة من الخشب. ولأول وهلة، لم أجد سببًا مقنعًا لوجود هذه الدرجات المتأرجحة، خاصةً في كنيسة على اليابسة. لكن سرعان ما فوجئت حينما وصل الأب مابل إلى قمة المنبر، ثم استدار ببطء، وانحنى إلى أسفل، وبدأ في سحب السلم لأعلى، خطوة بخطوة، حتى أودعه بالكامل داخل المنبر، مما جعله معزولًا تمامًا عن بقية العالم. جلست متأملًا هذا المشهد، محاولًا فهم المغزى العميق وراء هذه الحركة. لم يكن الأب مابل شخصًا يسعى إلى لفت الأنظار باستعراضات مسرحية. لا، لا بد أن لهذه الحركة رمزية عميقة. عزلة الروح بدأت أتساءل: هل يمكن أن يكون فعله هذا إشارة إلى انعزاله الروحي المؤقت عن العالم؟ نعم، يبدو أن هذا المنبر هو حصنه المقدس، معزولًا عن الدنيا، مثل قلعة روحية تطفو وسط بحر مضطرب. هذا المنبر هو سفينة، والأب مابل هو القبطان، وعليه أن يبحر بنا خلال خطبته وسط عاصفة الحياة. الكنيسة… سفينة في العاصفة لم يكن السلم الشيء الوحيد المستوحى من حياة البحر. خلف المنبر، بين الألواح الرخامية التذكارية، كان هناك لوحة كبيرة لسفينة تحاول النجاة من عاصفة عنيفة، تضربها الأمواج القاسية، بينما تواجه ساحلًا صخريًا أسود مهددًا بالموت. لكن في أعلى اللوحة، وسط الغيوم الداكنة والأمواج الهائجة، كانت هناك بقعة صغيرة من الضوء، حيث ظهر وجه ملاك مشرق يطل من بين الغيوم، يرسل شعاعًا من الضوء إلى السفينة المتأرجحة. وكأن الملاك كان يقول: "اصمدي، اصمدي أيتها السفينة النبيلة، وواصلي الإبحار بشجاعة. فها هو النور يخترق الظلام، والغيوم تتبدد، والسماء الصافية تقترب!" "المنبر هو مقدمة السفينة" حتى تصميم المنبر نفسه كان يحمل طابع البحر. كانت واجهته تشبه مقدمة سفينة ضخمة، بينما كان الكتاب المقدس مستندًا على قطعة خشب منحوتة على هيئة مقدمة سفينة. ما أعظم هذا الرمز! فالمنبر هو دائمًا مقدمة الأرض، وكل شيء آخر يأتي بعده. من هنا، يُرى غضب العاصفة الإلهية لأول مرة. من هنا، يُدعى الرب ليمنح البحارة رياحًا مواتية. العالم... مجرد سفينة! نعم، العالم كله هو سفينة! لا تزال رحلتنا مستمرة، لم نصل إلى وجهتنا النهائية بعد. والمنبر هو المقدمة، وهو ما يحدد مسار السفينة. والأب مابل... هو القبطان الذي يقودنا وسط العاصفة. 
 =======
الفصل التاسع: العظة . 
نهض الأب مابل، وبصوت هادئ لكنه يحمل سلطة غير متكلفة، أمر المصلين المتفرقين بأن يتقاربوا معًا: "الممر الأيمن، تحرك إلى اليسار! الممر الأيسر، تحرك إلى اليمين! اصطفوا في المنتصف! المنتصف!" كان هناك هدير منخفض لحذاء البحارة الثقيلة وهي تتحرك على مقاعد الكنيسة، وصوت خافت أكثر نعومة لحذاء النساء، ثم ساد الهدوء من جديد، وتركزت كل الأعين على الواعظ. "الصلاة من أعماق البحر" توقف الأب مابل للحظة، ثم ركع في مقدمة المنبر، ووضع يديه البنيتين الكبيرتين متشابكتين على صدره، وأغلق عينيه، وبدأ بالصلاة. كانت صلاته عميقة الخشوع لدرجة أنه بدا وكأنه يصلي من قاع البحر نفسه. بعد أن أنهى صلاته، بدأ في تلاوة ترنيمة دينية بصوت عميق، كصوت الجرس الذي يُدق باستمرار على متن سفينة تغرق في الضباب. ومع اقتراب الأبيات الأخيرة، تحولت نبرته إلى صرخة فرح وانتصار: "الأضلاع والمخاوف في بطن الحوت، أحاطت بي بظلام قاتم، بينما أمواج الله المضيئة تتدحرج، وتهوي بي إلى الأعماق نحو الهلاك. رأيت فم الجحيم مفتوحًا، حيث العذابات والأحزان بلا نهاية، لا أحد يعرفها إلا من تذوقها، آه، كنت أغرق في اليأس! في كربي الأسود، ناديت إلهي، بالكاد أصدق أنه لي، فسمع شكواي وحنَّ عليّ، ولم يعد الحوت يحبسني. بسرعة أتى لنجدتي، كما لو كان محمولًا على ظهر دلفين مشع، مهيبًا، لكنه مشرق كالبرق، وجهه، وجه ربي المُنقذ. نشيدي سيظل للأبد يُخلد، تلك اللحظة الرهيبة والمفرحة، أعطي المجد لإلهي، فله وحده الرحمة والقوة." غنى الجميع تقريبًا هذه الترتيلة، بصوت قوي غطّى على صوت العاصفة في الخارج. بعد فترة صمت قصيرة، بدأ الواعظ يقلب صفحات الكتاب المقدس ببطء، حتى وصل إلى الصفحة التي يريدها، ثم وضع يده عليها، وقال بصوت ثابت: "أيها البحارة، تأملوا في الآية الأخيرة من الإصحاح الأول من سفر يونان: 'فهيّأ الرب حوتًا عظيماً ليبتلع يونان.' " "يونان: قصة الإنسان العاصي والتوبة الحقيقية" "أيها البحارة، هذا الكتاب، الذي يحتوي على أربعة إصحاحات فقط—أربعة خيوط قصيرة—هو أحد أصغر الأجزاء في الحبل العظيم للكتاب المقدس. لكن أي أعماق للنفس يستطيع خط يونان أن يكشف لنا؟ أي درس عظيم يحمله لنا هذا النبي؟ ما أعظم ذلك التسبيح الذي ارتفع من بطن الحوت! نحن نشعر بالأمواج تتلاطم فوقنا، ونغوص معه إلى قاع البحر المغطى بالأعشاب البحرية. لكن ما هو الدرس الحقيقي لقصة يونان؟ إنه درس مزدوج؛ درس لكل إنسان خاطئ، ودرس لي أنا، كطيار لله الحي. كخاطئين، إنها قصة العصيان، والقلب المتحجر، والخوف المفاجئ، والعقاب السريع، والتوبة، والصلاة، ثم أخيرًا الخلاص والفرح. وكطيار لله، إنها قصة التحذير من الهروب من الواجب المقدس. "الهروب من الله مستحيل" "لقد عصى يونان أمر الله، وحاول الهرب إلى أقصى بقاع الأرض. ذهب إلى يافا، حيث اختبأ بين السفن، يبحث عن مركب يُبحر إلى ترشيش. وهل تعلمون أين تقع ترشيش؟ إنها قادس، في إسبانيا، أبعد نقطة بحرية كان يمكن ليونان الوصول إليها في ذلك الزمان! "انظروا إليه، هذا الرجل البائس! يتسلل بين الأرصفة، وكأنه لص هارب من عدالة الله. وجهه مذعور، لا يحمل أي متاع، لا صندوق، لا حقيبة، لا وداع من أهل أو أصدقاء." كل البحارة الذين رأوه شعروا بأن هناك خطبًا ما به. أحدهم همس لصديقه: "أراه وكأنه هارب من جريمة قتل!" "العاصفة والغرق" "لكن لا أحد يستطيع الهروب من الله." أبحرت السفينة، لكن البحر تمرد على وجود هذا العاصي على متنه. هبت العاصفة، وكادت تحطم السفينة! وبينما كان البحارة يرمون الصناديق والبضائع في البحر، كانوا يصرخون في فزع... لكن يونان؟ كان نائمًا... في أسفل السفينة... نائمًا نوماً عميقًا ومخيفًا! وأخيرًا، أيقظه قائد السفينة، وصرخ في وجهه: "ماذا تفعل أيها النائم؟ قم وصلّ!" وعندما ألقوا القرعة لمعرفة سبب هذه المصيبة، وقع السهم على يونان. حينها اعترف يونان بخطيئته، وقال: "أنا عبراني، وأخاف الرب إله السماء الذي صنع البحر واليابسة." لكن ماذا فعل البحارة؟ لم يرموا يونان فورًا! بل حاولوا بكل جهد إنقاذ السفينة بدونه، لكن العاصفة ازدادت شراسة. عندها، رفعوا أيديهم إلى السماء، وأمسكوا بيونان، ثم ألقوه في البحر... "الصلاة في بطن الحوت" "وعندما سقط يونان في البحر، عمّ الهدوء فجأة. لكن البحر لم يتركه! ابتلعه الحوت، وأخذ يغوص به إلى الأعماق السحيقة." ولكن لاحظوا شيئًا مهمًا، أيها البحارة! عندما كان في بطن الحوت، لم يبكِ يونان طلبًا للخلاص! بل قَبِلَ عقابه، وأعلن أنه رغم كل أوجاعه، سيظل يتجه بروحه نحو الله. وهذا هو الدرس الحقيقي في التوبة! ليس الصراخ طلبًا للعفو، بل الاعتراف بالعقاب والامتنان له! وهكذا، عندما وجد الله توبته صادقة، أمر الحوت أن يقذفه على الشاطئ. "الدرس الأعظم" رفع الأب مابل رأسه، وابتسم ابتسامة هادئة وهو يقول: "أيها البحارة، الله قد وضع يده عليكم بيد واحدة... أما أنا، فقد وضع يديه الاثنتين فوقي. لذلك، كما علمتكم درس يونان، فقد علمت نفسي درسًا أقسى... فويلٌ للطيار الذي يتجاهل نداء الله! ويلٌ لمن يخشى غضب البشر أكثر من غضب الله! ويلٌ لمن يسعى إلى رضا هذا العالم، وينسى الحق!" ثم رفع يديه ببطء، وبارك المصلين، ثم غطى وجهه بيديه وظل راكعًا حتى غادر الجميع، وتركوه وحيدًا في المكان المقدس. 
 =======
  الفصل العاشر: صديق مقرب . 
عندما عدت إلى النُزُل بعد العظة، وجدت كويكويج جالسًا في الزاوية، يدخن غليونه الطويل، غارقًا في التأمل بصمت. كان يجلس هناك بهدوء، وكأن لا شيء في هذا العالم يستطيع إزعاجه. كان الأمر غريبًا بالنسبة لي، إذ كيف يمكن لرجل مثل كويكويج—همجي نشأ في أرض بعيدة، وغريب عن هذا العالم المتحضر—أن يبدو أكثر هدوءًا وسكينةً من كل من قابلتهم من قبل؟ كنت أشعر وكأنني، رغم نشأتي في بيئة "متحضرة"، أكثر قلقًا وتوترًا منه. اقتربت منه، وجلسنا معًا دون أن نتبادل أي كلمات. أحيانًا، لا تحتاج الصداقة إلى حديث؛ يكفي أن تشعر براحة غريبة في وجود شخص آخر. "طقوس الصداقة الغريبة" بعد فترة، التفت إلي كويكويج ونظر إليّ نظرة طويلة، ثم أخذ غليونه من فمه، ومدّه نحوي. في البداية، لم أفهم ماذا يقصد، ولكن عندما رأيت نظرته الجادة، فهمت أنه كان يقدم لي نوعًا من التحية، أو ربما دعوة للصداقة. أخذت الغليون، وأخذت نفسًا صغيرًا، ثم أعدته إليه. ابتسم بهدوء، وهز رأسه موافقًا. ثم فجأة، نهض، وذهب إلى حقيبته الجلدية الكبيرة، وأخرج منها شيئًا غريبًا—قطعة من عظمة منحوتة بعناية، مزينة برسومات غريبة. وضعها في يدي، ثم ضرب صدره بإصبعه، ثم أشار إليّ. في البداية، لم أفهم، لكن بعد لحظة، أدركت: كان هذا رمزًا للصداقة، علامة على أننا الآن "إخوة". "الأخوة عبر الدم" ثم قام بفتح حقيبته، وأخرج خنجرًا صغيرًا، وجرح إصبعه قليلًا، مما جعل بضع قطرات من الدم تنزل على العظمة المنحوتة. ثم أشار إليّ، وكأنه يطلب مني أن أفعل الشيء نفسه. شعرت بالتردد للحظة. لم أكن قد شاركت في طقوس كهذه من قبل. لكن شيئًا ما في عينيه جعلني أفهم أن هذا كان شرفًا عظيمًا بالنسبة له. فأخذت الخنجر، وجرحت إصبعي بخفة، وتركت قطرات من دمي تسقط على العظمة بجانب دمه. ابتسم كويكويج، وأمسك بيدي بإحكام، وكأنه يقول لي "الآن نحن إخوة إلى الأبد." "أقرب من مجرد أصدقاء" في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب—لم يكن الأمر مجرد صداقة، بل رابطة عميقة، تتجاوز الكلمات والتقاليد. في ذلك المساء، لم يكن هناك رجلان غريبان جالسين في نُزُلٍ قديمٍ في نيو بيدفورد، بل كان هناك أخَوان، متحدان رغم اختلاف ثقافاتهما. ربما لم أكن أفهم كل شيء عن كويكويج، ولم يكن هو يفهم كل شيء عني، لكننا وجدنا في بعضنا البعض شيئًا لم نجده في أي مكان آخر—شعورًا بالانتماء. وهكذا، انتهى ذلك اليوم، وأنا أعلم أنني قد كسبت أخًا حقيقيًا في هذه الرحلة، حتى قبل أن تبدأ. 
 =======
الفصل الحادي عشر: قميص النوم . 
عندما حلّ الليل، استلقيت في سريري، بينما كان كويكويج بجانبي، وقد غطّ في النوم بالفعل. كان تنفسه عميقًا وثابتًا، وصوت شخيره خفيفًا ومريحًا، كما لو كان جزءًا من صوت الأمواج المتلاطمة التي سنواجهها قريبًا. لم أكن قد اعتدت بعد على النوم بجوار رجل مثل كويكويج، رجل غريب عني تمامًا قبل ليلة واحدة فقط، والآن صار أقرب إليّ من أي صديق عرفته. "شعور غريب بالأمان" رغم كل شيء، شعرت براحة غريبة، وكأن وجوده بجانبي كان حماية من شيء غير مرئي. كنت قد بدأت أرى العالم بطريقة مختلفة، ليس كأماكن ومدن، بل كأشخاص وقصص، وأدركت أنني ربما قد تعلمت من كويكويج أكثر مما تعلمت من أي شخص آخر. لم يكن هذا الرجل همجيًا كما تخيلت في البداية، بل كان يمتلك حكمة هادئة لم أرَ مثلها من قبل. "ليلة هادئة قبل العاصفة" استلقيت هناك، أراقب الظلال التي تتحرك على السقف، أفكر في الرحلة التي تنتظرني. كانت هناك رهبة في داخلي، لكنها لم تكن بسبب البحر أو المخاطر التي قد تواجهنا. بل بسبب الحياة نفسها، وما تخبئه لي الأيام القادمة. "النوم في سلام" أخيرًا، بعد كثير من التفكير، أغلقت عينيّ، وشعرت أنني، للمرة الأولى منذ وقت طويل، أنام بسلام. ليس لأنني وجدت مكانًا آمنًا، بل لأنني وجدت شخصًا آمنًا بجانبي. 
 =======
 الفصل الثاني عشر: سيرة ذاتية .
 استيقظت في الصباح الباكر، بينما كان كويكويج لا يزال مستلقيًا في سريره، مفتوح العينين لكنه هادئ، وكأنه غارق في أفكاره. عندما لاحظ أنني استيقظت، ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم جلس وبدأ في تجهيز غليونه، ينفث الدخان ببطء بينما كان يستعد ليوم جديد. "من أين أتيت، يا كويكويج؟" بعد أن انتهينا من ارتداء ملابسنا، قررت أن أسأله عن شيء طالما تساءلت عنه: "كويكويج، من أين أتيت؟ كيف انتهى بك المطاف هنا؟" ابتسم، ثم أشار إلى حقيبته الجلدية، وأخرج منها تمثالًا صغيرًا منحوتًا بعناية. كان التمثال يمثّل إلهًا صغيرًا من قريته، محفورًا بخشب داكن اللون، يحمل في ملامحه نظرة غامضة. وضع التمثال على الطاولة، ثم بدأ يروي قصته، بلغته الإنجليزية البسيطة، الممزوجة بحركات يديه المعبرة. "أمير من جزيرة بعيدة" لم يكن كويكويج مجرد رجل عادي—لقد كان ابن زعيم قبيلة من جزيرة بعيدة في المحيط الهادئ. نشأ كأمير، مقدرًا له أن يصبح القائد التالي لشعبه، لكنه كان فضوليًا بشأن العالم الذي يقع خارج جزيرته. كان يريد أن يعرف كيف يعيش البشر في أماكن أخرى، كيف يفكرون، وكيف يشعرون. لكنه كان يعلم أن شيوخ قريته لن يسمحوا له بالمغادرة، فقرر الهرب. "القفز إلى المجهول" في إحدى الليالي، عندما كان البحر هادئًا، أخذ قاربًا صغيرًا، وأبحر بعيدًا عن الجزيرة، دون أن يعرف ما الذي ينتظره. لم يكن لديه أي وجهة محددة، فقط الرغبة في رؤية العالم. وبعد أيام من الإبحار، تم التقاطه من قبل سفينة لصيد الحيتان، وهناك بدأ رحلته كبحّار، يتعلم كل ما يمكنه عن حياة البحر والعالم خارج جزيرته. "العالم الجديد، والعودة التي لن تحدث" عندما أنهى قصته، نظر إليّ وقال، بصوت هادئ لكنه عميق: "أرادوا أن أعود يومًا ما… لكنني الآن، لم أعد نفس الرجل الذي غادر. لن أعود أبدًا." رأيت في عينيه مزيجًا من الحنين، والحزن، والحكمة. كان قد وجد في البحر وطنًا جديدًا، لكنه في نفس الوقت، فقد وطنه الأول إلى الأبد. "الرجل الذي ينتمي إلى البحر" في تلك اللحظة، أدركت أن كويكويج لم يكن رجلًا بلا وطن، بل كان ينتمي إلى البحر نفسه. لم يكن مقيدًا بجزيرة، أو مدينة، أو بلد، بل كان حرًا تمامًا. وربما، بطريقة ما، هذا ما كنت أبحث عنه أيضًا. 
 =======
 الفصل الثالث عشر: عربة اليد .
 بعد سماع قصة كويكويج، شعرت بأنني أقرب إليه أكثر من أي وقت مضى. لم يكن مجرد بحار غريب الأطوار، بل كان رجلًا حقيقيًا، بروح تائهة، تبحث عن مكانها في هذا العالم، كما كنت أنا تمامًا. عندما قررنا مغادرة النُزل، حمل كويكويج حقيبته الجلدية العتيقة على كتفه، بينما كنت أسحب حقيبتي الصغيرة خلفي، مستعدين للرحيل إلى نانتوكيت. "رحلة نحو الميناء" كان علينا العثور على وسيلة نقل إلى المرفأ، حيث سنستقل قاربًا إلى نانتوكيت، الجزيرة الشهيرة بصيد الحيتان. وبينما كنا نسير في الشارع، رأينا رجلًا يدفع عربة يد ضخمة، يصرخ بصوت عالٍ معلنًا أنه متاح لنقل المسافرين إلى الميناء. كويكويج نظر إليّ، وأنا نظرت إليه... ثم أومأنا برأسينا موافقين! "مشكلة في الطريق" جلسنا معًا على عربة اليد المهتزة، بينما كان الرجل يدفعنا بقوة عبر الشوارع الموحلة. لكن فجأة، تعثر الرجل وسقط على وجهه، مما جعل العربة تنقلب، وأطاحت بنا على الأرض! وجدت نفسي ملقى في الطين، وملابسي مغطاة بالأوساخ، بينما كان كويكويج ينهض بهدوء، وينفض الطين عن جسده كما لو لم يحدث شيء. أما الرجل، فقد جلس على الأرض، يئن من الألم، ويشتكي بصوت مرتفع. "يد العون" لم يقل كويكويج أي شيء، لكنه تقدم نحو الرجل، وحمله بيد واحدة، كما لو كان طفلًا، ثم وضعه مجددًا على قدميه. لكن الرجل استمر في التذمر، واتهمنا بأننا السبب في سقوطه! رأيت وجه كويكويج يتحول إلى نظرة صارمة، لكنه لم يقل شيئًا، بل اكتفى بإخراج غليونه، وإشعاله بهدوء، وكأن كل هذا لا يعنيه. "الهيبة الصامتة" عندما رأى الرجل أن كويكويج لا يتحدث، ولا يظهر أي انزعاج من كلماته، بدأ يتوتر. كان هناك شيء في هدوء كويكويج يجعله يبدو أكثر قوة وهيبة من أي شخص آخر. أخيرًا، وبعد لحظات من التحديق في بعضهما، خفض الرجل رأسه، وتنهد، ثم اعتذر بصوت خافت. "لقد كنت غاضبًا فقط... لم أقصد الإساءة." "درس في الصمت" ركبنا العربة مجددًا، وتابعنا طريقنا إلى المرفأ، وأنا أفكر في الطريقة التي تعامل بها كويكويج مع الموقف. لم يكن بحاجة للصراخ، أو الجدال، أو التهديد. مجرد صمته، وطريقته الهادئة في التعامل، كانا كافيين لجعل الرجل يدرك خطأه. وربما... كان هذا درسًا آخر لي في هذه الرحلة. 
 =======
 الفصل الرابع عشر: نانتوكيت .
 عندما وصلنا إلى المرفأ، كان البحر أمامنا يتلألأ تحت ضوء الصباح البارد، والسفن تتمايل برفق على الأمواج. رائحة الملح كانت تملأ الهواء، وأصوات البحارة تتردد في كل مكان. أخيرًا، كنا على وشك الإبحار إلى نانتوكيت، الجزيرة الأسطورية لصيد الحيتان، حيث كانت المغامرة الحقيقية ستبدأ. "الجزيرة العريقة" كانت نانتوكيت مختلفة عن أي مكان آخر. لم تكن مجرد جزيرة عادية، بل كانت مملكة البحارة، مركزًا للرجال الذين عرفوا البحر أكثر مما عرفوا اليابسة. كانت هناك قصص عن رجال أبحروا من هنا، ولم يعودوا أبدًا، وعن آخرين عادوا بأموال طائلة. كانت السفن الضخمة الراسية في الميناء، والحبال المتدلية من الصواري، تحمل تاريخًا من الصراعات بين الإنسان والبحر. بالنسبة لي، كانت نانتوكيت بداية كل شيء. "صائدو الحيتان" عندما نزلنا من القارب، وجدت نفسي محاطًا برجال يرتدون ملابس البحر الخشنة، بوجوهٍ محروقة من الشمس، وأيدٍ قاسية من العمل الشاق. كل رجل هنا كان بحارًا، أو على الأقل كان يحلم بأن يصبح كذلك. حتى الصبية الصغار كانوا يركضون على الأرصفة، يحملون الحبال، ويقلدون حركات الرجال، وكأن البحر قد استولى على أرواحهم قبل أن يصبحوا رجالًا حقًا. "البحث عن سفينة" كان علينا الآن أن نبحث عن سفينة لننضم إلى طاقمها، حيث يمكننا أن نبدأ مغامرتنا الحقيقية في مطاردة الحيتان. لكن لم يكن الأمر بهذه البساطة. لم يكن جميع القباطنة يقبلون أي شخص في طاقمهم، وكان على كل رجل أن يثبت جدارته قبل أن يحصل على مكان على متن سفينة. كنت أعلم أنني مجرد مبتدئ، لا أملك خبرة في البحر، لكنني كنت عازمًا على إيجاد طريقي. أما كويكويج، فكان مختلفًا تمامًا. كان يحمل هالة من القوة والثقة، وكنت متأكدًا أن أي قبطان سيرغب في ضمه إلى طاقمه. "الليل في نانتوكيت" بعد يوم طويل من البحث، قررنا البقاء في نُزُل حتى الصباح، حيث يمكننا استئناف بحثنا عن سفينة. جلسنا معًا على طاولة خشبية قديمة، في إحدى الحانات المزدحمة بالبحارة. كان هناك أصوات ضحك، وصوت الأكواب وهي تُقرع، وحكايات عن رحلات بحرية غامضة. كان المشهد كله يذكرني بسبب وجودي هنا—للمغامرة، لاكتشاف المجهول، ولإيجاد نفسي في مكان لم أتخيله من قبل. في تلك الليلة، بينما كنت أستلقي على سريري الصغير في النُزُل، أدركت أنني قد عبرت بالفعل أول خطوة نحو حياة جديدة. غدًا، سنجد سفينتنا، وسنبحر في البحر المفتوح، حيث لا حدود، ولا قوانين، سوى تلك التي يفرضها المحيط نفسه. 
 =======
 الفصل الخامس عشر: الحساء . 
في صباح اليوم التالي، استيقظنا مبكرًا، متحمسين للعثور على سفينة ستأخذنا إلى البحر. لكن قبل أي شيء، كان علينا تناول الإفطار، فذهبنا إلى أحد النُزُل الصغيرة في نانتوكيت، حيث كان البحارة يجتمعون قبل الإبحار. "أفضل حساء في نانتوكيت" كان النُزُل مكانًا دافئًا، رغم بساطته، وكانت رائحة الطعام البحري تملأ الأجواء. طلبنا الطعام، فأحضر لنا النادل أطباقًا كبيرة من حساء البطلينوس، وهو حساء مشهور في نانتوكيت، مصنوع من المحار، والكريمة، والبطاطا. لم يسبق لي أن تذوقت شيئًا كهذا، لكن بعد أول ملعقة، أدركت لماذا كان هذا الحساء مفضلًا لدى البحارة. "لذيذ!" قلت وأنا أتناول ملعقة أخرى. "مشكلة على الطاولة" بينما كنا نأكل، كان هناك بحار ضخم يجلس على طاولة قريبة، يراقب كويكويج بنظرات غير ودية. كان الرجل أشقرًا، بلحية كثيفة، ويديه ضخمتين كأنهما خُلقتا لكسر العظام. وأخيرًا، بعد أن شرب جرعة كبيرة من مشروبه، التفت إلى كويكويج وقال بصوت عالٍ، حتى يسمعه الجميع: "ما الذي يفعله همجي مثلك هنا؟ هل تبحث عن شخص تأكله؟" ساد صمت مفاجئ في المكان، بينما توقف الجميع عن الأكل، مترقبين رد كويكويج. "رد الفعل الهادئ" لم يتحرك كويكويج، ولم يبدُ عليه الغضب. بل واصل تناول حسائه بهدوء، وكأنه لم يسمع شيئًا. كان الرجل الأشقر يظن أن كويكويج سيغضب، لكنه عندما رأى أنه لا يبالي به، ازداد غضبه. "أنا أتحدث إليك، أيها الهمجي!" قال وهو ينهض من مكانه، متجهًا نحو طاولتنا. "لحظة حاسمة" عندها، بهدوء شديد، وضع كويكويج الملعقة جانبًا، ومسح فمه، ثم وقف. كان أطول بكثير من الرجل الأشقر، وأقوى منه بمراحل. نظر إليه مباشرة بعينين ثابتتين، دون أن ينطق بكلمة. مرّت لحظات طويلة من الصمت، كان يمكننا خلالها سماع صوت تنفس الرجل الأشقر المتوتر. وأخيرًا، ابتعد الرجل، وعاد إلى طاولته دون أن يقول شيئًا. "هيبة الصمت" عندما جلس كويكويج مجددًا، ابتسمت وقلت له: "أحيانًا، لا تحتاج إلى القتال لإثبات قوتك." نظر إليّ كويكويج، وأمسك بغليونه، وأشعله، ثم قال بهدوء: "لا تحتاج إلى قتال إذا كنت تعرف أنك ستفوز." ضحكت، وعدنا إلى حسائنا، بينما استأنف الجميع تناول طعامهم، وكأن شيئًا لم يحدث. لكنني كنت أعلم أن الجميع قد تعلّم درسًا مهمًا ذلك اليوم—لا تعبث مع رجل مثل كويكويج. 
 =======
 الفصل السادس عشر: السفينة .
 بعد تناول الإفطار في النُزُل، خرجنا إلى الميناء، مستعدين للعثور على سفينة لننضم إلى طاقمها. كانت الشمس قد بدأت في الارتفاع، وسرعان ما امتلأت الأرصفة بالرجال الباحثين عن العمل، والقباطنة الباحثين عن طواقم جديدة. كانت هناك العديد من السفن الراسية، لكن لم يكن أي منها يبدو مناسبًا لنا. حتى رأيناها—سفينة البيكود. "البيكود... السفينة الغامضة" كانت البيكود سفينة قديمة، لكن مظهرها يوحي بالقوة والخبرة. جوانبها كانت مصنوعة من خشب متين، وكانت هناك زخارف محفورة عليها، تصوّر معارك بين البشر والحيتان. بدت وكأنها تحمل قصصًا أكثر من أي سفينة أخرى في الميناء. كان هناك شيء غامض بشأنها، شيء جعلني أشعر أن هذه هي السفينة التي كنت أبحث عنها. لكن المشكلة؟ لم يكن هناك أي شخص على ظهرها سوى بعض البحارة الذين يقومون بأعمال الصيانة. "رجلان غامضان" بينما كنا واقفين هناك، اقترب منا رجلان غريبان. الأول كان قصير القامة، ذو وجه متجعد، وعينين حادتين كأنهما قادرتان على رؤية ما خلف الروح. أما الآخر، فكان طويلاً ونحيفًا، ذو ملامح هادئة لكن مريبة. تبادلا نظرة سريعة، ثم قال الأول بصوت خشن: "هل أنتما تبحثان عن سفينة؟" أجبته: "نعم. نريد الانضمام إلى البيكود." نظر الرجلان إلى بعضهما مرة أخرى، وكأنهما كانا يتوقعان هذه الإجابة، ثم قال الثاني: "عليكما التحدث مع القبطان بيليه وبيتر كوفيّن، هما من يقرران من ينضم إلى الطاقم." "المقابلة مع القبطان" لم نكن نعرف أين يمكن أن نجد الكابتن أهاب، لكننا سمعنا أنه لم يكن موجودًا في الوقت الحالي، وأن الرجلين المسؤولين عن تعيين الطاقم هما بيليه وبيتر كوفيّن. ذهبنا إلى المكتب الصغير القريب من السفينة، حيث وجدنا رجلًا مسنًا، بوجه طيب لكنه مليء بالتجاعيد، جالسًا خلف طاولة قديمة. نظر إلينا بنظرة فاحصة، ثم قال: "حسنًا، ماذا تريدان؟" أجبته: "نريد الانضمام إلى البيكود." "امتحان القبطان بيليه" ضحك بيليه وقال: "هل سبق لكما أن طاردتما حوتًا؟" هززت رأسي بالنفي، بينما أومأ كويكويج برأسه بثقة. عندها، نظر إليه بيليه وقال: "هل أنت صياد ماهر؟" لم يرد كويكويج بالكلام، بل أخذ رمحه ورماه فجأة عبر الغرفة، فاخترق غطاء برميل خشبي واستقر بداخله. نظر بيليه إلى الرمح، ثم إلى كويكويج، ثم ابتسم وقال: "حسنًا، أنت مرحب بك على متن السفينة." "أما أنا...؟" لكن عندما التفت إلي، لم يكن بنفس الحماس. "وأنت؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟" أجبته بصراحة: "أنا جديد في هذا المجال، لكنني أتعلم بسرعة، وأنا مستعد للعمل بجد." ابتسم بيليه ابتسامة ساخرة وقال: "إذن، أنت تريد أن تصبح صياد حيتان دون أن يكون لديك أي خبرة؟" لم أكن أعرف ماذا أقول، لكن فجأة، تدخل كويكويج وقال بصوت هادئ لكنه قوي: "إنه أخي. إذا كنتم تريدونني، فعليه أن يكون معي." نظر بيليه إلى كويكويج، ثم إليّ، ثم أطلق تنهيدة طويلة، وقال: "حسنًا... سنرى ما يمكنك فعله. مرحب بكما في البيكود." "السفينة التي ستغير حياتنا" وهكذا، كنا الآن جزءًا من طاقم البيكود. لم أكن أعرف ما الذي كان ينتظرني، لكنني كنت أعلم أنني قد خطوت إلى عالم جديد تمامًا، عالم لا يوجد فيه سوى البحر، والحيتان، والمغامرة. كان الوقت قد حان للإبحار نحو المجهول. 
 =======
 الفصل السابع عشر: رمضان .
 بعد أن حصلنا على مكاننا في البيكود، قضينا اليوم في التعرف على أفراد الطاقم والاستعداد للإبحار. لكن عندما حلّ المساء، لاحظت أن كويكويج تصرف بشكل غريب. بدلًا من الجلوس معي في النُزُل أو الحديث مع بقية البحارة، أخذ حقيبته الجلدية، وذهب إلى ركن هادئ، وجلس هناك بصمت. "التقشف الغامض" في البداية، لم أفهم ما كان يفعله. جلس في وضعية تأمل، وعيناه مغمضتان، ويداه متشابكتان أمام صدره. لم يأكل شيئًا، ولم يشرب، ولم ينطق بكلمة واحدة طوال الليل. في البداية، ظننت أنه غاضب مني أو مستاء من شيء ما، لكن عندما سألته، لم يرد. فجأة، تذكرت أنه كان يحمل دائمًا ذلك التمثال الصغير المحفور من الخشب، ذلك الإله الذي كان يعبده بصمت منذ أن التقيت به. كان كويكويج صائمًا، يؤدي طقسًا دينيًا خاصًا به. "الليلة الطويلة" مرت الساعات، وظل كويكويج ثابتًا في مكانه، لم يتحرك، ولم يتكلم. لم أكن أعرف الكثير عن طقوسه، لكنني احترمت حاجته إلى العزلة، لذلك تركته وشأنه. لكن مع مرور الليل، بدأت القلق يتسلل إلي. هل كان هذا جزءًا طبيعيًا من طقوسه؟ أم أنه قد جاع وعطش لدرجة أنه قد ينهار؟ "لحظة قلق" عندما بزغ أول ضوء للفجر، كان كويكويج لا يزال في مكانه، بنفس الوضعية، لم يتحرك ولو قيد أنملة. اقتربت منه وهززته قليلًا، لكنه لم يرد. شعرت بالخوف للحظة—ماذا لو كان قد أغمي عليه؟ لكن بعد لحظات، فتح عينيه بهدوء، كما لو أنه عاد من عالم آخر. نظر إليّ، وابتسم، ثم وقف، وتمدد قليلاً وكأنه لم يقضِ الليلة بأكملها جالسًا بلا حراك. كأن جسده وروحه قد تم تطهيرهما تمامًا. "القوة في الصمت" رغم أنني لم أفهم تمامًا ما فعله أو لماذا فعله، إلا أنني رأيت في عينيه قوة هادئة، نوعًا من السلام الداخلي الذي لم أره في أي شخص آخر. لم يكن بحاجة إلى شرح أي شيء، ولم أكن بحاجة إلى أن أسأل. فقط ابتسم، وأخذ رمحه، وأشار إلى الميناء حيث ترسو البيكود. "هيا، حان وقت البحر." وهكذا، بينما كانت الشمس تشرق فوق نانتوكيت، كنا مستعدين أخيرًا للمغادرة. رحلتنا نحو المجهول كانت على وشك أن تبدأ. 
 =======
 الفصل الثامن عشر: علامته . 
 في صباح اليوم التالي، بعد انتهاء كويكويج من طقوسه، توجهنا إلى الميناء، حيث كانت الاستعدادات الأخيرة تجري على البيكود قبل الإبحار. كان هناك حركة نشطة على سطح السفينة، البحارة يحملون البراميل، والحبال تتأرجح في الهواء، فيما كان القباطنة يراجعون القوائم النهائية للطاقم. "توثيق الطاقم" قبل أن نصعد على متن السفينة رسميًا، كان علينا التوقيع على عقد الانضمام للطاقم. وجدنا الرجل المسؤول عن التوثيق يجلس خلف طاولة خشبية قديمة، وكان هناك كتاب كبير أمامه، يدوّن فيه أسماء الرجال الذين سينضمون إلى الرحلة. "الاسم؟" سألني، وأنا أقف أمامه. "إسماعيل." قلت، فكتب اسمي على الفور. ثم التفت إلى كويكويج، ونظر إليه للحظة قبل أن يقول: "وأنت؟" لكن كويكويج لم يرد. "الرجل الذي لا يكتب" أدركت فجأة أن كويكويج لا يعرف كيف يكتب اسمه! نظر إلى الكتاب، ثم إلى القلم، ثم إلى الرجل الجالس خلف الطاولة، وكأنه لم يرَ حاجة لهذه الإجراءات. أخيرًا، أخذ القلم من الرجل، وضعه على الورقة، ثم رسم علامة غريبة بدلاً من توقيعه. كانت العلامة أشبه بنقش قديم، أو رمز من ثقافته الخاصة. عندما رآها الرجل، رفع حاجبيه وقال: "ما هذا؟" رد كويكويج بهدوء: "علامتي." "لا حاجة للكلمات" في البداية، بدا الرجل وكأنه يريد الاعتراض، لكنه نظر إلى وجه كويكويج القوي والثابت، ثم هز رأسه وقال: "حسنًا، هذا يكفي." كتب بجانب العلامة: "المعروف باسم كويكويج." وهكذا، أصبحنا رسميًا جزءًا من طاقم البيكود. "لحظة قبل الرحيل" بعد الانتهاء من التوقيع، وقبل أن نصعد إلى السفينة، وقف كويكويج للحظة، وأخرج تمثاله الخشبي الصغير، ووضعه على الأرض، ثم انحنى قليلًا نحوه. لم يكن أحد يراقبه سوى أنا، لكنني فهمت ما كان يفعله—كان يقدم احترامه لإلهه قبل أن يركب السفينة، تمامًا كما فعل في الليلة السابقة. بعد لحظات، التقط التمثال مرة أخرى، ثم نظر إليّ وابتسم، كما لو كان يقول: "أنا جاهز." "الآن نحن بحارة" صعدنا على متن البيكود، وأخذنا أماكننا بين الطاقم، حيث ستبدأ مغامرتنا الحقيقية. لم يكن هناك مجال للعودة الآن. كنا جزءًا من هذه السفينة، وجزءًا من البحر. ومن هذه اللحظة فصاعدًا، كنا صيادي حيتان. 

 =======
 الفصل التاسع عشر: المتنبأ . 
بينما كنا نغادر المكتب بعد التوقيع على العقد، اقترب منا رجل غريب المظهر، بدا وكأنه يتجول بلا هدف في الميناء. كان يبدو عجوزًا، بلحية غير مهذبة، وملابسه ممزقة من الزمن والملح. لكن في عينيه كان هناك وميض غريب، خليط بين الجنون والمعرفة. وقف أمامنا مباشرة، ثم نظر إلينا واحدًا تلو الآخر، قبل أن يحدق في وجهي لفترة طويلة. ثم قال بصوت منخفض لكنه مليء بالغموض: "أنتما ستبحران على البيكود؟" "تحذير غامض" تبادلت نظرة مع كويكويج، ثم أجبته: "نعم، ولمَ تسأل؟" ضحك الرجل ضحكة خافتة، ثم قال بصوت هادئ لكن عميق: "أتعرفان من هو القبطان الذي ستبحران معه؟" هززت كتفي وقلت: "الكابتن أهاب، بالطبع." اقترب الرجل خطوة أخرى وقال: "إذن أنتما لا تعرفان شيئًا!" "أسرار عن الكابتن أهاب" توقفت للحظة، ثم سألته: "ماذا تعني؟ ماذا هناك عن الكابتن أهاب؟" نظر الرجل إلى البحر للحظة، وكأنه يتذكر شيئًا مخيفًا، ثم قال: "أهاب ليس كأي قبطان، إنه رجل يسكنه هوس... رجل قد باع روحه للبحر." نظر إليّ مباشرة وأضاف: "هل تعرف لماذا يبحر؟ هل تعرف ماذا يبحث عنه؟" لم أجب، لكنه لم ينتظر إجابتي، بل أكمل بصوت غامض: "إنه لا يبحر من أجل الذهب، ولا من أجل الصيد... إنه يبحر من أجل شيء آخر، شيء لن تفهمه حتى تراه بعينيك." "هل هو نذير شؤم؟" بدأت أشعر ببعض القلق، لكنني لم أرد أن أُظهر ذلك. قلت له: "إن كنت تعرف شيئًا، فقله الآن بوضوح، لا تتحدث بالألغاز!" ابتسم الرجل ابتسامة حزينة وقال: "لقد قيل كل شيء بالفعل، لكنك لن تفهم حتى يكون الأوان قد فات." ثم استدار، وبدأ يمشي مبتعدًا، قبل أن يتوقف للحظة، ويلتفت إليّ قائلًا آخر كلماته: "تذكر ما قلته لك عندما تواجهه في البحر... وتذكر أنني حذرتك." "رحلة إلى المجهول" وقفت في مكاني، أنظر إلى الرجل وهو يختفي بين الزحام، ثم التفت إلى كويكويج، الذي كان يراقب بصمت، ثم قال ببساطة: "لا تستمع لكلام الرياح." ابتسمت رغم شعوري الغريب، ثم قلت: "أنت على حق... لنبدأ رحلتنا!" وهكذا، واصلنا طريقنا إلى السفينة، مستعدين للإبحار، بينما كانت كلمات الرجل لا تزال ترن في رأسي. هل كان مجرد عجوز مجنون؟ أم أن كلماته كانت نبوءة حقيقية؟ لم أكن أعلم حينها، لكنني كنت سأكتشف قريبًا...
 =======
 الفصل العشرون: النشاط الكبير . 
بعد تحذير ذلك الرجل الغامض، لم أستطع التخلص من شعور غريب كان يلازمني، لكن لم يكن هناك وقت للتفكير كثيرًا. كانت البيكود تستعد للإبحار، وكان الجميع منشغلين في التحضيرات الأخيرة. على سطح السفينة، كان البحارة يربطون الحبال، وينقلون البراميل، ويتأكدون من أن كل شيء جاهز للرحلة الطويلة إلى البحر المفتوح. كان الجو مشحونًا بالحماس والتوتر، فهذه لم تكن مجرد رحلة عادية—كانت رحلة صيد، حيث يواجه الرجال وحوش البحر الضخمة، والنجاة فيها لم تكن مضمونة. "أين هو الكابتن أهاب؟" رغم أن السفينة كانت تعج بالبحارة، إلا أن هناك رجلًا واحدًا لم يظهر بعد—الكابتن أهاب. كنت قد سمعت اسمه، لكنني لم أره بعد، ولم أكن أعرف عنه سوى الشائعات. تساءلت: "كيف يبدو؟ لماذا الجميع يتحدثون عنه بهذه الطريقة؟ ولماذا الرجل العجوز في الميناء حذرنا منه؟" لكن لم يكن هناك وقت لهذه الأسئلة، فقد كان عليّ أن أعمل مثل باقي الطاقم، وإثبات أنني أستحق مكاني هنا. "العمل يبدأ الآن" تم تكليفنا أنا وكويكويج بمساعدة البحارة في تحضير القوارب الصغيرة التي ستُستخدم في مطاردة الحيتان. كانت هذه القوارب أهم جزء في عملية الصيد، فهي التي ستحملنا مباشرة نحو الحيتان، حيث سنحاول أن نرميها بالرماح ونجرّها إلى السفينة. كان علينا التأكد من أن الحبال مربوطة بإحكام، وأن الرماح حادة، وأن القوارب نفسها جاهزة لمياه المحيط القاسية. "أول اختبار حقيقي" بينما كنت أقوم بربط أحد الحبال، لاحظت أن أحد البحارة، رجل قوي البنية بلحية رمادية، كان يراقبني. كان اسمه ستاوب، وكان الضابط الأول على السفينة. "أول مرة لك في البحر، أليس كذلك؟" قال بصوت خشن. "نعم." أجبته دون أن أتوقف عن عملي. ابتسم قليلًا، وقال: "سنرى إن كنت ستتحمل ذلك." ثم أشار إلى كويكويج، الذي كان يعمل بجانبي، وأضاف: "لكن هذا الرجل، أظنه سيبلي بلاءً حسنًا." "البحارة يراقبون" في الأيام الأولى على متن السفينة، كان الجميع يراقبوننا. البحارة المخضرمون يريدون معرفة ما إذا كنا قادرين على تحمل قسوة الحياة في البحر. لم يكن هناك مجال للضعف، فمن لا يستطيع الصمود لن يبقى طويلًا على هذه السفينة. كويكويج لم يكن يواجه أي مشكلة، فقد كان قويًا، معتادًا على البحر، وكان يمسك بالرمح كما لو كان امتدادًا لذراعه. أما أنا، فكنت لا أزال أتعلم كيف أتحرك على سطح السفينة دون أن أفقد توازني! "اللحظة المنتظرة" وأخيرًا، جاء اليوم المنتظر... تم رفع المرساة، وبدأت البيكود بالإبحار. وقفنا جميعًا على سطح السفينة، نراقب الشاطئ وهو يبتعد ببطء، والميناء يتلاشى خلفنا. لم يكن هناك طريق للعودة الآن. كنا متجهين نحو المجهول، حيث البحر الشاسع، والحيتان العملاقة، والمخاطر التي لا يمكن تخيلها. هكذا بدأت رحلتنا... وهكذا بدأت قصتنا الحقيقية.
 =======
 الفصل الحادي والعشرون: الصعود إلى السفينة .
 مع ارتفاع الشمس في السماء، كانت البيكود قد غادرت الميناء بالفعل، تشق طريقها عبر المياه المفتوحة، متجهة إلى المحيط الشاسع. كان الهواء باردًا لكنه منعش، وكانت الأمواج تهدر حولنا، كأنها ترحب بنا في عالمها اللامحدود. كان معظم البحارة مشغولين بأعمالهم، إما بفحص الأشرعة أو بترتيب المعدات، لكن في أعين الجميع كان هناك شيء مشترك—تلك النظرة المليئة بالتوقع، والرهبة، وربما القليل من الخوف. لكن حتى الآن، لم يظهر القبطان أهاب. "القبطان الذي لا يُرى" سألت أحد البحارة المخضرمين، رجل يُدعى داغو، عن القبطان، فقال: "ستراه عندما يريد أن يراك." هذا الرد لم يكن يريحني كثيرًا، لكنه جعلني أدرك أن أهاب لم يكن قائدًا عاديًا، بل كان شخصية غامضة، تخفي الكثير من الأسرار. "أول اجتماع مع الطاقم" مع اقتراب المساء، نادى الضباط جميع البحارة للتجمع على سطح السفينة. "استمعوا جيدًا!" قال الضابط الأول ستاوب، وهو ينظر إلينا بجدية. "لقد بدأنا رحلتنا الآن، وكل رجل هنا لديه دور يقوم به. لن يكون هناك متسع للكسل أو التهاون، فهذه ليست سفينة سياحية، بل سفينة صيد الحيتان!" ثم بدأ يوزع المهام على الطاقم، كل شخص عليه مسؤوليات واضحة، سواء كان ذلك في إدارة الأشرعة، أو تجهيز القوارب، أو رصد البحر بحثًا عن الحيتان. عندما وصل إليّ وإلى كويكويج، نظر إلينا للحظة، ثم قال: "أنتما الاثنان ستكونان جزءًا من فريق الصيد. عندما نرصد حوتًا، ستذهبان في القارب مع بقية الصيادين." "لمحة عن حياة البحر" بعد الاجتماع، بدأنا في فهم الإيقاع اليومي للحياة على البيكود. كان هناك دوريات منتظمة لرصد البحر، حيث يتناوب البحارة على الصعود إلى الساريات العالية، للبحث عن أي علامة تدل على وجود الحيتان. كنا نأخذ دروسًا مكثفة حول كيفية استخدام الرماح، وكيفية القفز إلى القوارب الصغيرة بسرعة عندما يحين وقت الصيد. كانت السفينة تتحرك كخلية نحل، كل رجل يعرف دوره، ولا مجال للأخطاء. أما كويكويج، فقد كان يتأقلم بسرعة كبيرة، حتى أن بعض البحارة بدؤوا يحترمونه بصمت، بسبب مهاراته في التعامل مع الرمح. أما أنا، فقد كنت لا أزال أتعلم، وأحاول ألا أكون عبئًا على الطاقم. "ليل بلا نوم" عندما حلّ الليل، استلقيت في سريري، أشعر بتعب لم أشعر به من قبل، لكنه كان تعبًا ممتعًا. لم أستطع النوم بسهولة، فالأفكار كانت تتسابق في رأسي... كيف سيكون لقاؤنا الأول بالحيتان؟ متى سنرى الكابتن أهاب؟ ولماذا يظل مختفيًا؟ هل كانت كلمات ذلك الرجل العجوز في الميناء مجرد خرافات، أم أنها تحمل حقيقة مرعبة؟ "رحلة بلا عودة" ما كنت متأكدًا منه هو أن هذه لم تكن مجرد رحلة بحرية عادية. كان هناك شيء كبير ينتظرنا في الأفق، شيء سيغير حياتنا إلى الأبد. لكن لم يكن هناك مجال للعودة الآن... لقد أصبحتُ بالفعل بحارًا على البيكود، وسأبحر حتى النهاية، مهما كان ينتظرني في البحر العميق.
 =======
 الفصل الثاني والعشرون: عيد الميلاد المجيد . 
كان الجو باردًا، والبحر يمتد بلا نهاية أمامنا. في هذا اليوم، وبينما يحتفل البعض على اليابسة بعيد الميلاد المجيد وسط عائلاتهم وأحبائهم، كنا نحن بعيدين عن كل ذلك، نبحر في المجهول. لا زال القبطان أهاب غائبًا، ولم يكن هناك سوى الضباط الثلاثة—ستاوب، فلاس، وستاربك—يديرون السفينة، ويوجهون البحارة للعمل كما لو أن شيئًا لم يكن. "الاحتفال في البحر" لم يكن هناك أي احتفال حقيقي على متن البيكود، لم تكن هناك أضواء، ولا هدايا، ولا طعام فاخر، فقط البحر، والسماء الملبدة بالغيوم، وصوت الرياح وهي تعصف حول السفينة. لكن بعض البحارة قرروا إضافة القليل من البهجة إلى اليوم. في المساء، تجمعنا في غرفة الطعام الضيقة داخل السفينة، حيث كان البعض يغني أغاني بحرية قديمة، وآخرون يشربون ويضحكون، محاولين نسيان حقيقة أنهم بعيدون عن ديارهم. حتى كويكويج، رغم طبيعته الهادئة، جلس معنا يدخن غليونه، ويراقب الجميع بعينين هادئتين. "ستاربك.. رجل مختلف" بينما كان بعض البحارة يبالغون في احتفالهم، دخل ستاربك، الضابط الأول، إلى الغرفة. كان وجهه جادًا كالمعتاد، ولم يكن يبدو عليه أنه سعيد بهذه الفوضى. قال بصوت منخفض لكنه حازم: "استمتعوا، لكن لا تنسوا أن هذه سفينة صيد الحيتان، وليست حانة في الميناء." كان هناك شيء في نبرته جعل الجميع يهدأون قليلاً. ستاربك لم يكن رجلاً قاسيًا، لكنه كان مختلفًا عن باقي الطاقم، كان يحمل في داخله إيمانًا قويًا بالخالق، وخوفًا خفيًا من هذه الرحلة ومن قائدها الغائب. "ظهور أهاب الأول" تمامًا عندما بدأنا نشعر بأن الاحتفال سينتهي، حدث شيء غيّر كل شيء. صدر صوت خطوات ثقيلة على سطح السفينة، ثم فُتح الباب بقوة، ودخل رجل طويل القامة، ذو وجه غامض، وساق خشبية تضرب الأرض بإيقاع ثابت. توقف الجميع عن الحديث، كل الأعين تحولت نحوه، وكل همسات الضحك والتسلية تلاشت في لحظة. لقد كان الكابتن أهاب. "الكابتن يظهر أخيرًا" وقف هناك للحظة، عيناه اللامعتان مسمرتان على الطاقم، كأنهما تخترقان أرواحنا. ثم، دون أن يقول كلمة واحدة، أدار رأسه، وخرج إلى سطح السفينة مجددًا، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلًا لم يستطع أحد كسره. كان هذا أول ظهور له، لكنه كان كافيًا ليجعلنا ندرك أن هذا الرجل لم يكن مثل أي قبطان آخر عرفناه من قبل. في تلك الليلة، وبينما كنت أستلقي في سريري، لم أكن أفكر بعيد الميلاد، بل في ذلك الرجل الغامض، والرحلة التي يبدو أنها ستصبح أكثر خطورة مما توقعت. 
 =======
 الفصل الثالث والعشرون: الشاطئ العاصف .
 بعد الظهور المفاجئ للقبطان أهاب، أصبح الجو على متن البيكود أكثر توترًا. لم يكن أحد يتحدث عنه بصوت عالٍ، لكن الجميع شعر بأن هناك شيئًا غير عادي بشأنه. كان أهاب يقضي معظم وقته وحيدًا، واقفًا على سطح السفينة، يحدّق في الأفق، كما لو كان يبحث عن شيء محدد. "الشعور بعدم الراحة" ستاربك، الضابط الأول، لم يكن مرتاحًا لهذا الصمت المخيف. كان يحاول إبقاء الطاقم منشغلًا طوال الوقت، حتى لا يفكروا كثيرًا في تصرفات القبطان. أما ستاوب وفلاس، الضابطان الآخران، فقد بديا أقل قلقًا، وكأنهما معتادان على غرابة القبطان. لكن كان هناك شيء واضح للجميع: هذه الرحلة لم تكن مثل أي رحلة أخرى. "أول عاصفة" وفي إحدى الليالي، واجهنا أول اختبار حقيقي لنا في البحر—عاصفة مفاجئة. الرياح اشتدت بشكل خطير، والأمواج بدأت تضرب السفينة بقوة، حتى أصبح التنقل على سطحها صعبًا للغاية. البحارة ركضوا لتثبيت الأشرعة، وربط الحبال، والتأكد من أن السفينة لن تنقلب تحت هجوم البحر. كنت لا أزال أتعلم كيف أتحرك بثبات في مثل هذه الظروف، لكنني حاولت أن أبذل قصارى جهدي، رغم أنني كنت بالكاد أستطيع الوقوف دون أن أسقط. أما كويكويج، فقد بدا كأنه وُلد لهذا، يتحرك بثبات، وكأن الرياح العاتية لم تؤثر عليه أبدًا. "ظهور أهاب وسط العاصفة" وفجأة، وسط كل هذا الفوضى، ظهر أهاب. وقف على سطح السفينة، لا يبدو عليه أي خوف، رغم أن الرياح كانت تحاول انتزاع قبعته. رفع رأسه إلى السماء، ثم نظر إلى البحر، كأن العاصفة لا تعنيه على الإطلاق. ثم، بصوت قوي ومخيف، صرخ: "هذه مجرد ريح، مجرد موجة! لن توقفني العواصف، ولن يوقفني البحر! لن أتراجع حتى أحقق هدفي!" لم أفهم ما الذي كان يتحدث عنه في البداية، لكنه لم يكن يتحدث إلينا—بل كان يخاطب البحر نفسه! كان يتحداه، كما لو كان البحر عدوه الشخصي. "رجل ليس مثل أي رجل" تلك الليلة، وبينما هدأت العاصفة ببطء، بدأت أدرك شيئًا مهمًا عن أهاب. لم يكن مجرد قبطان آخر يسعى وراء صيد الحيتان، كان رجلاً تملكه هوس لا حدود له. كان أكثر من مجرد قائد لسفينة—كان محاربًا، رجلًا لديه هدف واحد فقط، هدف بدا وكأنه أهم من حياته نفسها. لكن ما هو هذا الهدف؟ وما الذي يسعى وراءه حقًا؟ لم أكن أعرف بعد، لكنني كنت واثقًا من أنني سأكتشف قريبًا... وربما، عندما أكتشف، سيكون الأوان قد فات.
 =======
 الفصل الرابع والعشرون: المدافع بعد العاصفة .
، استمرّت البيكود في رحلتها عبر المحيط، تبحر في المياه العميقة بعيدًا عن أي يابسة، وكأنها أصبحت عالمًا منعزلًا في حد ذاتها. لكن رغم هدوء الطقس، كان هناك توتر متزايد بين الطاقم. لم يكن أيٌّ منا يعرف إلى أين يقودنا أهاب، ولماذا بدا وكأنه يبحث عن شيء محدد في البحر، بدلًا من التركيز على صيد الحيتان كما هو متوقع. "حديث عن القيادة" في إحدى الأمسيات، بينما كنت أجلس مع ستاوب، الضابط الثاني، سألته عن رأيه في الكابتن أهاب. ضحك بصوت منخفض وقال: "أهاب ليس كأي رجل آخر. إنه لا يرى البحر كما نراه نحن، إنه يراه كعدو، كشيء يجب هزيمته." سألته: "ولكن ما الذي يريده حقًا؟ لماذا يبدو وكأنه يبحث عن شيء محدد؟" نظر إليّ بجدية وقال: "عليك أن تنتظر وترى بنفسك، يا فتى. ستعرف قريبًا جدًا." "أهاب يُلقي خطبته" وبالفعل، لم يمر وقت طويل قبل أن يُظهر أهاب نواياه الحقيقية. في اليوم التالي، جمع الطاقم بأكمله على سطح السفينة. وقف هناك، بظهره المستقيم، وساقه الخشبية تضرب الأرض بإيقاع ثابت، وعيناه تحملان بريقًا من الجنون والتصميم. رفع يده، وفيها قطعة من الذهب، ساطعة تحت أشعة الشمس. "التحدي الذهبي" قال بصوت قوي: "هذا الذهب لمن يرصُد الحوت الأبيض أولًا!" ساد صمت مفاجئ. لم يكن هناك حاجة لذكر اسمه، فالجميع عرفوا من يقصد. موبي ديك. الحوت الأسطوري، الذي أصاب أهاب، وأخذ ساقه، وجعله الرجل الذي هو عليه الآن. "هوس القبطان" استمر أهاب في حديثه، وصوته أصبح أكثر حدة وأكثر جنونًا. "إنه في هذا البحر، ينتظرني! لن أعود إلى اليابسة حتى أواجهه، حتى أنتقم منه! من يكون معي في هذه المهمة؟ من سيقف معي ضد هذا الوحش؟" كانت هذه لحظة مفصلية. لم نكن نبحر فقط لصيد الحيتان، كنا نبحر من أجل انتقام أهاب الشخصي. "صمت ثقيل" وقف الجميع صامتين، بعضهم ينظر إلى بعض بخوف، البعض الآخر بحماسة، والبعض بحيرة. أما ستاربك، الضابط الأول، فقد كان وجهه متجهمًا. لقد كان الرجل الوحيد الذي لم يبدُ مقتنعًا بما قاله أهاب. نظر إليه القبطان وقال: "ماذا تقول، ستاربك؟ هل أنت معي؟" تنفس ستاربك ببطء، ثم قال بصوت هادئ لكن حازم: "سيدي، نحن هنا لنصطاد الحيتان، لا لنطارد شبحًا في البحر." "رجلان، رؤيتان" توتر الجو بين الرجلين، وبدت المواجهة واضحة. لكن أهاب لم يكن بحاجة إلى أن يجبر ستاربك على الطاعة، لأن البحارة الآخرين، المتحمسين للذهب، والمأخوذين بجنون القبطان، رفعوا أصواتهم بالموافقة. وهكذا، بدأت الرحلة الحقيقية للبيكود. لم نكن مجرد طاقم على متن سفينة صيد، كنا جنودًا في حرب شخصية، يقودنا رجل هوسه أقوى من أي عاصفة في البحر. وهكذا، كان المصير قد تحدد. 
 =======
 الفصل الخامس والعشرون: الملحق .
 بعد الخطاب الناري الذي ألقاه أهاب، أصبح من الواضح أن السفينة لم تعد مجرد سفينة لصيد الحيتان، بل تحولت إلى آلة انتقام يقودها رجل تملكه الهوس. رغم أن البعض من الطاقم كان متحمسًا لفكرة صيد الحوت الأبيض، إلا أن هناك آخرين، مثل ستاربك، لم يكونوا مقتنعين بهذه المهمة المجنونة. لكن لم يكن هناك طريق للعودة الآن—كل من كان على متن البيكود أصبح جزءًا من هذه المطاردة القاتلة. "نقاش مع ستاربك" في إحدى الليالي، بينما كنت أقف على سطح السفينة، أتى ستاربك، ووقف بجانبي، ينظر بصمت إلى البحر. بعد لحظة، قال بصوت منخفض لكنه مليء بالقلق: "إسماعيل، هل تدرك إلى أين نحن ذاهبون؟" لم أعرف كيف أجيبه، فقلت: "نحن نبحث عن موبي ديك." هز رأسه ببطء وقال: "إنها ليست مجرد رحلة صيد... إنها رحلة إلى الجنون." "ماذا يعني هذا؟" كان هناك شيء في نبرة صوته جعلني أشعر بقشعريرة خفيفة. قلت له: "ولكن أليس هو القبطان؟ أليس من حقه أن يقرر ما يجب أن نفعله؟" نظر إليّ بحدة، وقال: "القبطان يجب أن يقود طاقمه إلى النجاح، لا إلى الهلاك." ثم، وكأنه لا يريد أن يقول المزيد، استدار، ومشى بعيدًا، تاركًا وراءه أسئلة لم أجد لها إجابة. "البحارة يتحدثون" لم يكن ستاربك الوحيد الذي كان يشعر بالقلق. على مدار الأيام التالية، بدأت أسمع همسات بين البحارة، بعضهم كان يتساءل عما إذا كان أهاب قد فقد عقله تمامًا. لكن، في المقابل، كان هناك من كانوا متحمسين، يرون في مطاردة الحوت الأبيض فرصة لصنع اسم لأنفسهم، وللحصول على نصيبهم من الذهب. "القبطان يراقب" أما أهاب، فلم يكن يهتم بما يقوله الطاقم. كان يقضي معظم وقته على سطح السفينة، يحدّق في البحر، وكأنه يحاول استدعاء موبي ديك من الأعماق. لم يكن يأكل كثيرًا، ولم يكن يتحدث مع أحد إلا إذا كان الأمر يتعلق بالبحث عن الحوت. كان واضحًا أنه رجل لا يعيش في هذا العالم بعد الآن، بل في عالمه الخاص، عالم محكوم بالانتقام فقط. "الاستمرار إلى المجهول" وهكذا، استمرت البيكود في إبحارها، عيون البحارة تراقب الأفق، والقبطان يترقب اللحظة التي سيظهر فيها عدوه اللدود. لم أكن أعرف ماذا سيحدث عندما نواجه موبي ديك، لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا: لم يكن هناك أي عودة الآن... إما أن نجد الحوت، أو نموت ونحن نحاول.
 =======

الفصل السادس والعشرون: الفرسان والكتّاب .

 مع استمرار البيكود في الإبحار عبر المحيط الشاسع، بدأت أتعرف أكثر على الرجال الذين يشكلون طاقم السفينة. لم يكونوا مجرد بحارة عاديين، بل كانوا مقاتلين، رجالًا واجهوا الموت مرات عديدة، ومع ذلك لم يفقدوا شجاعتهم. وكان على رأسهم الضباط الثلاثة—ستاربك، ستاوب، وفلاس، كل واحد منهم يمثل شخصية مختلفة تمامًا عن الآخر. "ستاربك: الرجل الحكيم" كان ستاربك، الضابط الأول، رجلاً مختلفًا عن بقية الطاقم. كان جادًا، متزنًا، ويمتلك إحساسًا قويًا بالصواب والخطأ. كان يؤمن بالله، ويرى أن الرحلة التي نقوم بها ليست سوى جنون. لم يكن يخاف من مواجهة أهاب، لكنه كان يعرف جيدًا أن معارضة القبطان لن تكون سهلة. كان يؤدي واجبه بإخلاص، لكنه كان يحمل في داخله خوفًا خفيًا—ليس من البحر، بل من القبطان نفسه. "ستاوب: الرجل الضاحك" أما ستاوب، الضابط الثاني، فقد كان العكس تمامًا. كان رجلاً مرحًا، يأخذ كل شيء ببساطة، حتى في أكثر المواقف خطورة. لم يكن يخاف من الموت، بل كان يعتبره جزءًا من حياة البحار. كان لديه طريقة غريبة في التعامل مع الأمور، حيث كان يرى أن الضحك هو الحل لكل شيء. حتى عندما كان يرى جنون أهاب، لم يكن يفكر كثيرًا في العواقب، بل كان يتعامل مع كل يوم كما لو كان مغامرة جديدة. "فلاس: الرجل القوي" أما فلاس، الضابط الثالث، فقد كان رجلاً ضخم الجثة، قوي البنية، لكنه لم يكن متعلمًا كثيرًا. كان يؤمن بالقوة، وكان يرى أن البحر لا يحترم سوى الرجال الأقوياء. لم يكن يتدخل كثيرًا في الأمور الفلسفية، بل كان ينفذ الأوامر بدون نقاش. رغم ذلك، كان لديه ولاء غريب تجاه الطاقم، ولم يكن يسمح لأحد بإهانة رجاله. "القبطان وأتباعه" لكن كان هناك نوع آخر من الرجال على متن السفينة، أولئك الذين كانوا موالين لأهاب تمامًا، مستعدين لفعل أي شيء يأمر به. كان أبرزهم فيدالا، الرجل الغامض الذي نادراً ما يتحدث، لكنه كان دائمًا إلى جانب القبطان. لم يكن أحد يعرف قصته، أو من أين أتى، لكنه كان مثل ظل أهاب، لا يفارقه أبدًا. "الرحلة مستمرة" مع مرور الأيام، أصبح الطاقم أكثر انقسامًا—البعض كان يتبع أهاب، والبعض الآخر كان يشك في رحلته المجنونة. لكن مهما كانت مشاعرنا، لم يكن هناك طريق للعودة. كلنا كنا الآن فرسان هذه السفينة، نبحر في المجهول، ننتظر اللحظة التي سيظهر فيها الحوت الأبيض، حاملين مصائرنا على أكتافنا. 
 =======

 الفصل السابع والعشرون: الفرسان والكتّاب (تكملة) .

مع استمرار الرحلة، بدأ طاقم البيكود يدرك تمامًا أن هذه لم تكن مجرد رحلة صيد حيتان عادية، بل كانت مهمة شخصية يقودها رجل تملكه الانتقام. لكن رغم ذلك، استمر العمل كالمعتاد، وكان كل رجل على متن السفينة يلعب دوره في هذه المسرحية العظيمة التي لم يكن يعلم كيف ستنتهي. "طاقم السفينة الحقيقي" إلى جانب الضباط الثلاثة، كان هناك رماة الرماح، وهم الرجال المسؤولون عن القتال الحقيقي عند صيد الحيتان. كان لكل ضابط رجلان من الرماة، وهم الذين يقفزون في القوارب الصغيرة لمطاردة الحيتان مباشرة. "رماة ستاربك" كويكويج: ذلك الرجل القوي، الهادئ، الذي لا يتحدث كثيرًا لكنه كان الأفضل في استخدام الرمح. تاشتيجو: هندي أمريكي، سريع، لا يخشى شيئًا، وكان يمتلك قدرة خارقة على ملاحظة الحيتان في الأفق. "رماة ستاوب" داغو: رجل أفريقي طويل القامة، قوي مثل الجبال، وكان لا يعرف الخوف أبدًا. رجل آخر لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه كان مخلصًا لستاوب ومستعدًا للقتال حتى النهاية. "رماة فلاس" رجال أقل شهرة، لكنهم كانوا مقاتلين أقوياء، يعتمد عليهم في اللحظات الحاسمة. "قواعد الصيد" رغم كل التوتر الذي كان يحيط بالرحلة، كان هناك نظام دقيق في التعامل مع عملية صيد الحيتان. عندما يتم رصد حوت، يتم إطلاق القوارب الصغيرة، ويقف كل ضابط على رأس فريقه، بينما يمسك الرماة بأسلحتهم، مستعدين لتوجيه الضربة القاتلة. لكن في هذه الرحلة، كان هناك شيء مختلف... لم يكن الطاقم فقط ينتظر صيد أي حوت، بل كان الجميع في انتظار اللحظة التي سيظهر فيها موبي ديك. "القبطان وأتباعه الغامضون" إلى جانب الضباط والرماة، كان هناك مجموعة أخرى من الرجال الذين لم يكونوا جزءًا من الطاقم العادي. كانوا غرباء، غامضين، ظهروا فجأة على السفينة، ولم يكن أحد يعرف متى وكيف صعدوا. كانوا يتبعون القبطان أهاب، وكانوا دائمًا في الظل، يراقبون كل شيء بصمت. وكان على رأسهم فيدالا، الرجل الغامض ذو الملامح المخيفة، الذي بدا وكأنه يرى المستقبل. "رحلة نحو الجنون" مع مرور الأيام، أصبح واضحًا أن هذه السفينة كانت تسير نحو مصير مجهول، وأن الرجال الذين كانوا على متنها لم يعودوا مجرد صيادين، بل أصبحوا جزءًا من قصة أكبر من أي شيء تخيلوه. أصبحوا جميعًا جنودًا في حرب أهاب الخاصة، حرب ضد كائن لم يكن مجرد حوت، بل كان رمزًا لكل شيء فقده هذا الرجل في حياته. لكن هل كانوا مستعدين لما هو قادم؟ لم يكن أحد يعلم، لكن الجميع كان يشعر أن النهاية، مهما كانت، أصبحت تقترب. 
 =======

 الفصل الثامن والعشرون: أهاب .

وأخيرًا، ظهر أهاب. لم يكن ظهوره الأول لنا في تلك الليلة التي نزل فيها إلى غرفة البحارة وألقى بنظرة سريعة علينا، بل كان ظهوره الحقيقي حين وقف أمام الطاقم في وضح النهار، تحت أشعة الشمس التي انعكست على ملامحه الصارمة. "الرجل الذي تحدى البحر" كان يقف على سطح السفينة، طويل القامة، رغم ساقه الخشبية التي كانت تصدر صوتًا ثقيلاً مع كل خطوة يخطوها. وجهه كان مليئًا بالتجاعيد، مثل خريطة نُحتت عليها سنوات من المعاناة، وعيناه كانتا تلمعان بنظرة مهووسة، نظرة رجل لا يرى إلا هدفًا واحدًا في الحياة. رفع رأسه، وحدّق في الأفق، ثم التفت إلينا جميعًا وقال: "أيها البحارة، هل تعرفون لماذا أنتم هنا؟" نظرنا إلى بعضنا البعض بصمت. فجأة، رفع صوته أكثر وقال: "أنتم هنا لصيد الحيتان، أليس كذلك؟ أنتم هنا من أجل المال؟ من أجل حصتكم من الزيت؟" ثم أشار إلينا بعصاه وقال: "لكنني أقول لكم، أنتم هنا لسبب أكبر! أنتم هنا لمطاردة عدو واحد، عدو سرق مني كل شيء... موبي ديك!" "صمت ثقيل" ساد صمت ثقيل على سطح السفينة. كان بعض الرجال متحمسين، لكن آخرين، مثل ستاربك، لم يكونوا مقتنعين تمامًا بهذا الحديث. ستاربك كان ينظر إلى القبطان بعينين مليئتين بالشك. ثم قال بهدوء، لكن بوضوح: "سيدي، نحن هنا لصيد الحيتان، وليس لمطاردة حوت واحد فقط." نظر إليه أهاب نظرة باردة، ثم قال بصوت منخفض لكنه خطير: "أنت لا تفهم، ستاربك. هذا الحوت ليس مجرد حوت. إنه الشيطان نفسه، وأنا سأقتله حتى لو كان آخر شيء أفعله." "الخاتم الذهبي" أخرج **أهاب قطعة ذهبية لامعة، عملة ذهبية نادرة، رفعها عالياً وقال: "هذه القطعة الذهبية لمن يرصُد موبي ديك أولًا!" بمجرد أن رأى البحارة الذهب يلمع، تغيرت بعض الملامح، وبدأ البعض يشعر بالحماس أكثر. كان الطاقم مكونًا من رجال أقوياء، لكنهم كانوا أيضًا بحارة يبحثون عن فرصة أفضل في الحياة. والآن، لم يعد الأمر مجرد رحلة صيد، بل أصبح مطاردة مليئة بالإثارة والخطر والمكافآت الضخمة. "ستاربك يواجه القبطان" لكن رغم الحماس الذي بدأ يظهر على وجوه البعض، لم يكن ستاربك مقتنعًا. التفت إلى أهاب وقال بحزم: "هذا ليس عدلًا، يا سيدي. نحن لم نأتِ إلى هنا لنخاطر بحياتنا من أجل انتقامك الشخصي." عندها، تقدم أهاب خطوة إلى الأمام، واقترب منه، وعيناه تشتعلان غضبًا. "عدلي هو عدلي، ستاربك، وليس لك أن تعترض عليه." ثم أدار ظهره وقال للطاقم: "من معي؟ من سيقف إلى جانبي حتى النهاية؟" بدأ بعض البحارة يهتفون بحماس، والبعض الآخر ظلوا صامتين، بينما ستاربك كان واقفًا في مكانه، يعلم أنه لم يعد يستطيع تغيير مجرى الأمور. "بداية المطاردة الحقيقية" منذ تلك اللحظة، لم تعد البيكود مجرد سفينة صيد حيتان، بل أصبحت سفينة مطاردة، تبحث عن كائن واحد فقط في المحيط الشاسع. كان الجميع يراقب الأفق، ينتظرون ظهور الحوت الأبيض، وكان أهاب يقف هناك، لا ينام ولا يرتاح، ينتظر اللحظة التي سيواجه فيها عدوه القديم. كنت أشعر بأنني جزء من قصة أكبر مما تخيلت، لكنني كنت أعلم أن النهاية، مهما كانت، لن تكون عادية. 
 =======
 الفصل التاسع والعشرون: دخول أهاب .
 حديثه مع ستوب بعد خطبته النارية، لم يعد هناك شك في أن أهاب قد جرّ الطاقم بأكمله إلى جنونه. لكن، بينما كان ستاربك يعارضه، لم يكن الجميع يفكر بنفس الطريقة. "ستاوب يواجه القبطان بطريقته الخاصة" لم يكن ستاوب، الضابط الثاني، مثل ستاربك. لم يكن جادًا ومتشائمًا، ولم يكن يخاف من القبطان كما يخاف منه الآخرون. بل كان رجلًا مرحًا، يأخذ الحياة ببساطة، حتى عندما يكون الموت قريبًا. في إحدى الليالي، بينما كان القبطان أهاب يسير على سطح السفينة، اقترب منه ستاوب، مبتسمًا كعادته، وقال: "سيدي، لا شك أنك مهووس جدًا بهذا الحوت الأبيض." توقف أهاب عن المشي، ثم نظر إلى ستاوب نظرة باردة وقال: "وهل تظن ذلك غريبًا؟" ضحك ستاوب بصوت منخفض وقال: "سيدي، أنا لا أقول إنه غريب، أنا فقط أتساءل... لماذا تعطي كل هذا الوقت لحوت واحد؟ البحر مليء بالحيتان، فلماذا هذا الحوت تحديدًا؟" "أهاب يكشف عن غضبه" لم يكن أهاب معتادًا على أن يواجهه أحد بسخرية، لكن ستاوب لم يكن يخاف. نظر إليه القبطان، ثم اقترب منه ببطء وقال بصوت هادئ لكنه مملوء بالغضب: "أنت لا تفهم، يا ستاوب. هذا الحوت أخذ مني كل شيء. لقد جعلني الرجل الذي أنا عليه الآن. هل تعرف ما يعنيه أن تُسلب منك إرادتك؟ أن تصبح عبدًا لشيء لا يمكنك السيطرة عليه؟" ثم، فجأة، رفع قدمه الخشبية وضربها بقوة على سطح السفينة، مما جعل الصوت يتردد في المكان. "هذه ليست مجرد ساق مفقودة، إنها روحي التي سرقها مني هذا الوحش! وسأستعيدها، ولو كلفني ذلك حياتي!" "ستاوب يرد بطريقته" بدلًا من أن يتراجع، ابتسم ستاوب وقال ببساطة: "حسنًا، سيدي، إذا كنت ترى أن هذا الحوت قد سرق روحك، فلماذا لا تأخذ روحًا جديدة؟" ثم أضاف: "الحياة ليست كلها حيتان بيضاء، سيدي." نظر إليه أهاب للحظة، وكأنه لم يكن يعرف كيف يرد على كلامه، ثم التفت ومشى بعيدًا، يضرب الأرض بساقه الخشبية، دون أن يقول كلمة أخرى. "الفرق بين الرجال" بينما كنت أراقب هذا المشهد، أدركت الفرق الكبير بين ستاوب وستاربك. ستاربك كان يرى أهاب كرجل مجنون، خطير، يجب الوقوف في وجهه. أما ستاوب، فكان يراه كإنسان محطم، رجل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يضحك مجددًا. لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا... لا شيء سيوقف أهاب. لا ستاربك، ولا ستاوب، ولا حتى البحر نفسه. كنا جميعًا على متن هذه الرحلة، والقبطان لن يتوقف حتى يجد موبي ديك... أو حتى يموت وهو يحاول.
 =======